
تشهد العلاقات بين ألمانيا وإسبانيا توتراً ملحوظاً بعد زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى البيت الأبيض ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبينما كان ترامب ينتقد بشدة إسبانيا وبريطانيا لرفضهما استخدام قواعدهما الجوية في حرب إيران، لم يتدخل ميرتس للدفاع عن شريكه الأوروبي، بل أيد ضمنياً انتقادات ترامب بشأن ضعف الإنفاق الدفاعي الإسباني.
يأتي هذا التوتر في أعقاب تصريحات ترامب التي وصف فيها إسبانيا بأنها “حليف سيئ” وهدد بوقف التجارة معها أو فرض حظر عليها. وقد أثار صمت ميرتس وتأييده الجزئي لترامب استياءً كبيراً في مدريد.
محاولات اتصال فاشلة
وبحسب مجلة “دير شبيغل” الألمانية، فمنذ عودته من واشنطن، حاول المستشار ميرتس مراراً وتكراراً الاتصال برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، لكن دون جدوى. أرسل ميرتس رسالتين نصيتين، وأجرى مكالمة هاتفية، وحاول مرة أخرى أثناء سفره، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل.
تقول المجلة إنه في مدريد، يُعزى هذا الصمت إلى أن سانشيز يغير أرقام هاتفه بانتظام لأسباب أمنية. ومع ذلك، يشتبه المسؤولون في برلين بأن سانشيز لا يرغب في إجراء محادثة، خاصة وأنه يصور نفسه على أنه “مناهض لترامب” لأسباب سياسية داخلية.
سانشيز يتبع أجندة واضحة
تقول المجلة الألمانية إن سانشيز يبدو أنه يتبع خطة واضحة تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية، فقد أظهر للشعب الإسباني موقفه الرافض للحرب على إيران، معتبراً إياها غير قانونية وخطيرة. كما يسعى إلى حشد الدعم الدولي لموقفه.
وقد نجح سانشيز في التواصل مع العديد من قادة الدول الأخرى، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، ورئيسة المكسيك كلوديا شينباوم، مما يشير إلى أن ميرتس ليس أولوية بالنسبة له حالياً.
إسبانيا ليست وحدها
تذكر مدريد في هذه الأيام اعترافها بفلسطين كدولة، حيث كانت إسبانيا سباقة في هذا القرار، وحظيت بدعم إيرلندا في البداية، ثم تبعتها بريطانيا وفرنسا. هذا التوازي يشير إلى أن سانشيز يرى نفسه في طليعة حركة أوسع.
وقد حقق سانشيز بالفعل نجاحات أولية في نزاعه مع الولايات المتحدة، حيث أعلنت فون دير لاين وأعلن كوستا تضامنهما معه. كما تضامن معه ممثلون من الدنمارك وسلوفاكيا وسلوفينيا وبلجيكا وإيرلندا في بروكسل. وحتى ماكرون، من وجهة نظر إسبانيا، انحاز إلى موقف سانشيز بشأن حرب إيران، معتبراً إياها غير قانونية.
ألمانيا لا تريد دوراً ثانوياً
يشير تقرير شبيغل إلى أنه في ظل هذا المشهد، لا ترغب برلين في أن تلعب دوراً ثانوياً في “عرض سانشيز الكبير”. وتظل الحكومة الألمانية متحفظة بشأن إمكانية إجراء مكالمة هاتفية مع سانشيز.
ومن المرجح أن تجد ألمانيا نفسها في موقف يتطلب منها تذكير الحلفاء الأوروبيين بالتزاماتهم التي تعهدوا بها في قمة الناتو في لاهاي، خاصة مع اقتراب الاجتماع القادم لقادة الدول والحكومات في أنقرة في يوليو/تموز 2026. وقد أوضح الأمريكيون في مقر الناتو في بروكسل أنهم يتوقعون رؤية أرقام موثوقة بشأن القدرات العسكرية الإضافية التي سيقدمها الأوروبيون.
وعلى الرغم من أن سانشيز أشار في رسالة إلى أنه لا يدعم تخصيص 5% من الناتج الاقتصادي للإنفاق الدفاعي فإن إسبانيا وافقت على أهداف القدرات في خطة الدفاع للحلف. وتعتبر إسبانيا نفسها شريكاً جيداً في الحلف وتقدم الكثير، حتى لو كانت تنفق حالياً حوالي 2% فقط من ناتجها الاقتصادي على الدفاع. ومع ذلك، فإن برلين متأكدة من أن هذا لن يكون كافياً لتلبية متطلبات الناتو، مما يعني أن هناك المزيد من النقاشات المتوقعة.
وفي مدريد، يقال إن “الصعوبات اللوجستية البحتة” قد تم التغلب عليها، وأن ميرتس لديه الآن الرقم الصحيح، وأن الفِرَق على اتصال. ومع ذلك، يبقى التوتر قائماً، والعلاقات بين البلدين في حاجة إلى إصلاح.
تحرير: علي المخلافي
Source link


