أخبار العالم

مطالب نسوية بمحاكمات علنية لعناصر “داعش” وكشف هويتهم

لم يكن استلام العراق لما يقرب من 5700 عنصر من عناصر “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) حتى الآن حدثًا عابرًا بالنسبة للنساء العراقيات اللواتي عانين لسنوات طويلة من الاغتصاب والاتجار والاستعباد، وبشكل خاص النساء الإيزيديات. فما إن أُعلن الخبر حتى ارتفعت أصوات بعض الناجيات ملوّحة بإنهاء حياتهن رفضًا لإعادة عيش المأساة، فيما وجّهت أخريات انتقادات غاضبة إلى الحكومة العراقية التي اعتبرنها قد فرّطت بحقوقهن سابقًا وحاليًا.

إزاء ذلك، طالبت منظمات مدافعة عن حقوق المرأة بضرورة رفع السرية عن بيانات عناصر “داعش”، الذين تسلّمهم العراق مؤخرا من سوريا، لتمكين الضحايا من التعرف عليهم وتقديم شكاوى قضائية بحقهم، إضافة إلى تشكيل محكمة مختصة للنظر في قضايا الناجيات.

وتصدّرت هذه المطالب “شبكة مكافحة الاتجار بالمرأة”، و”جمعية الإغاثة في الأزمات والتعاون التنموي القائم على التضامن” الألمانية، المعروفة اختصارا باسم “WADI”، و”منظمة حرية المرأة” في العراق، التي عقدت مؤتمرًا عامًا في بغداد بتاريخ 27 شباط/ فبراير المنصرم، أعلنت خلاله مطالبها ورفعت توصياتها إلى الجهات المعنية.

قافلة عسكرية أمريكية تنقل من الأراضي السورية معتقلين من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) إلى العراق (7 فبراير/شباط 2026).
قافلة عسكرية أمريكية تنقل من الأراضي السورية معتقلين من تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) إلى العراق (7 فبراير/شباط 2026).صورة من: Delil Souleiman/AFP/Getty Images

روزا .. “سبية” ناجية تبحث عن العدالة والمواطنة

تقول روزا لـ DW، وهي إحدى الناجيات الإيزيديات التي أصبحت بعد نجاتها ناشطة في مجال الدفاع عن الناجيات من بنات دينها،: “أنا أسأل بصدق شديد: هل أنا عراقية؟” ثم تجيب بنفسها: “لا، أنا لست كذلك. لو كنت عراقية فعلًا لاهتمت الحكومة بأن تعيد لي حقي. الدواعش باعوني كنعجة بحجة أني سبية إيزيدية، واستغلوني جنسيًا وعنفوني، وكان عمري حينها 11 عامًا فقط. ولم يكتفوا بذلك، بل قتلوا أفرادًا من عائلتي، وحتى الآن سبعة منهم لا أعرف مصيرهم. وبعد كل ذلك أتفاجأ بأن القضاء العراقي يحاكم 500 داعشي دون أن يتم سؤالنا عن الجرائم التي ارتكبوها بحقنا أو مواجهتنا بهم”.

وتتساءل روزا بحرقة “أين العدالة؟ أريد أن تتحقق لي ولبقية الناجيات العدالة، والعدالة فقط”.

سلفانا: عشر سنوات من الأسر والاغتصاب .. فأين الدعم؟

ومن قصة معاناة إلى أخرى، تقول سلفانا لـ DW، وهي أيضًا إحدى الناجيات الإيزيديات “لقد كان عمري 14 سنة عندما خطفني الدواعش. سجنوني واغتصبوني واستعبدوني لعشرة أعوام. أرادوا إجباري على ترك ديني واعتناق الإسلام، وكنت أرفض، وكلما رفضت ضربوني بعنف واغتصبوني ومنعوا عني الطعام. كنت مجرد طفلة تحلم بأن تعيش حياة طبيعية، لكن الدواعش دمّروا حياتي”.

وتتحدث سلفانا بألم واضح: “أريد أن يُحاكم عناصر داعش، أريد حقي، هل هذا صعب؟ أريد أن أشعر بالأمان من جديد”.

سلفانا فقدت السمع في إحدى أذنيها نتيجة الضرب المبرح والتعنيف الجسدي، كما تضررت جميع أسنانها. وتقول: “لم يساعدني أحد من المنظمات الإنسانية، ولم أتلقَّ أي دعم لا للعلاج ولا لحالتي النفسية، وما زلت حتى اليوم أعاني مما تعرضت له”.

إيزيديات مجهولات المصير و”غياب الدور الرسمي”

بحسب الإحصائيات الرسمية، اختطف تنظيم “داعش” في عام 2014 نحو 3448 إيزيدية، تم تحرير (2290) منهن بجهود العشائر الإيزيدية عبر شرائهن من عناصر “داعش” أو من خلال تمكنهن من الهرب والعودة بمفردهن بمساعدة منظمات إنسانية. لكن حتى الآن ما زالت 1217 إيزيدية مجهولة المصير.

وتقول بسمة الدخي، المسؤولة عن ملف الناجيات في جمعية “WADI”، لـ DW: “آخر الناجيات اللواتي تم التوصل إليهن كن ثلاثًا، جرى جلبهن من غزة وتركيا وسوريا. ولدينا معلومات عن إيزيديات مختطفات في دول أخرى متعددة، ويجري العمل من أجل إنقاذهن. ومع الأسف، يتم كل ذلك بجهود فردية من المجتمع الإيزيدي ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، دون أن يكون للحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان أي دور يُذكر في هذا الملف”.

وتوضح الدخي: “لا بد من تحقيق العدالة للناجيات، لأنه يمثل رد اعتبار لهن وللمجتمع الإيزيدي بأكمله. وبالتالي يجب محاسبة كل من ارتكب أو شارك في ارتكاب جرائم ضد الإيزيديات والديانة الإيزيدية، لأن ما حدث جريمة إنسانية كبرى”. وتابعت المسؤولة عن ملف الناجيات: “تحقيق العدالة سيضمن عدم تكرار هذه المأساة مرة أخرى، ومن العار على العالم بأسره أن يُتاجر في النساء الإيزيديات ويُسبين ويُبعن في سوق النخاسة أمام أنظار الجميع دون تحرك حقيقي يوازي حجم هذه الجريمة”.

محاكمة طويلة الأمد لآلاف “الدواعش” من 42 دولة 

وبالتوازي مع هذه المطالب، بدأ العراق فعليًا بمحاكمة ما يقرب من 5700 عنصر من تنظيم “داعش”، وفقًا لما أعلنه المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي في مجلس القضاء الأعلى العراقي بتاريخ 8 شباط/فبراير المنصرم. وأوضح المركز أن هؤلاء العناصر ينتمون إلى نحو 42 دولة، وأنه لن يتم تسليمهم قبل انتهاء التحقيقات المتوقع استمرارها لنحو ستة أشهر، مشيرًا إلى أن من بينهم قادة كبار في التنظيم متهمون بارتكاب إبادة جماعية واستخدام أسلحة كيميائية.

اتهامات بالإهمال وغياب العدالة للناجيات

في إطار ذلك، وردًا على سؤال لـ DW حول ما إذا كانت الناجيات من براثن “داعش” يشعرن بوجود تجاهل متعمد من قبل السلطات العراقية لقضيتهن، أجابت بسمة الدخي، المسؤولة عن ملف الناجيات في منظمة WADI: “نعم، هناك تعمد واضح جدًا. فمجرد نقل عناصر داعش وسط حماية مكثفة من القوات العراقية والدولية، في حين أن آلاف الإيزيديين ما زالوا مجهولي المصير، دون أي سعي من تلك الجهات لمعرفة مصيرهم أو تشكيل لجان للكشف عن تفاصيل اختفائهم، يُعد تهميشًا بحد ذاته. كما أن سنجار هو القضاء الوحيد منذ عام 2017 الذي يعاني من غياب إدارة تدافع عنا وتطالب بحقوقنا. لذلك نحن نطالب بضرورة فتح المحاكم لنا لنكون جزءًا من محاكمة عناصر داعش”.

وأضافت “منذ دخول عناصر داعش إلى العراق والنساء الإيزيديات يهددن بالانتحار، بل إن بعضهن حاولن بالفعل نتيجة الخوف من تكرار ما حدث لهن. خاصة أن بعض عناصر داعش هددوا الإيزيديات بأنهم في المرة المقبلة لن يقوموا بسبيهن أو دعوتهم للدخول في الإسلام، بل سيقتلونهن باعتبارهن مرتدات”.

وعلى الرغم من أن ضحايا “داعش” من النساء والفتيات لم يقتصرن على الإيزيديات، بل شملن ديانات وطوائف أخرى في العراق مثل التركمان الشيعة والشبك والمسيحيين، فضلًا عن المسلمين من الطائفة السنية، إلا أن المجتمع الإيزيدي، بخلاف بقية المجتمعات، تعامل مع الأمر بعلنية وطالب بحقوق النساء والفتيات المختطفات، حتى أنه أطلق على الناجية المحررة لقب “القديسة” تعبيرًا عن طهارتها.

المؤتمر العشرون لشبكة مكافحة الاتجار بالنساء. جماعات نسوية تدعو إلى محاكمات علنية لتنظيم الدولة الإسلامية (أول مارس/ آذار 2025)
منذ دخول مقاتلي داعش إلى العراق بعد نقلهم من سوريا “تعيش الإيزيديات خوفًا دائمًا، دفع بعضهن للتهديد بالانتحار ومحاولة ذلك بالفعل”، وفق ما تؤكده مسؤولة ملف الناجيات بجمعية (WADI). صورة من: Amal Saqr/DW

ينار محمد: الناجيات التركمانيات يتعرضن للقتل

أمّا ينار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق، فقالت لـDW: “أنا تركمانية شيعية، وعندما كنت أستفسر من شيوخ العشائر التركمانية لماذا لا تتحدثون عن الناجيات التركمانيات؟ ولماذا لا تطالبون بالكشف عن مصير النساء والفتيات اللواتي خُطفن على يد داعش؟ كل ما أحصل عليه هو انحناء الرأس، في دلالة على أن الأمر بالنسبة لهم يمثل عارًا لا يجب الحديث عنه”. وتابعة الناشطة النسوية: “هنا تكمن الكارثة، إذ إن الناجيات التركمانيات يتعرضن للقتل عند عودتهن بذريعة غسل العار لأنها مسبية ومغتصبة، رغم أن من يقوم بقتلها لم يدافع عنها أصلًا. ومع الأسف، الحكومة العراقية والسلطات القضائية تتماشى رؤيتها مع تلك العشائر، وهذا مخيب للآمال”.

“الاتجار في النساء والسبي خارج تحقيقات القضاء”

وأشارت ينار محمد إلى أنهن تفاجأن بأن مجلس القضاء الأعلى يركز في تحقيقاته مع عناصر “داعش” على مسألة الانتماء للتنظيم من عدمه فقط، دون التطرق إلى جرائم الاتجار بالنساء والفتيات وسبيهن واغتصابهن وقتل العشرات منهن في العراق وسوريا. ووفقًا للإحصائيات التي عرضتها، هناك نحو 20 ألف امرأة عراقية وسورية تم سبيهن والاتجار بهن، ويجب أن تتحقق لهن العدالة الجنائية.

أسئلة مهمة يجب أن تُطرح على عناصر “داعش”

وأضافت: “نحن كمنظمات وناشطات نسويات نطالب بأن يتضمن التحقيق مع عناصر داعش أسئلة مهمة، أولها: هل قمت باغتصاب أو شراء أو الاتجار بامرأة سبية من قبل التنظيم؟ وإن كان الجواب لا، يُطرح السؤال: هل كنت شاهدًا على هذه العمليات؟ وما هي أسماء مقترفي هذه الجرائم؟ ذلك سيكشف بالتأكيد عن معلومات حول المتورطين. وزيادة في الحصول على الحقائق، نحن نطالب بمحاكمات علنية لعناصر داعش”. 

قبل يوم من اغتيالها، ينار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق، تتحدث في المؤتمر العشرين لشبكة مكافحة الاتجار بالبشر. (الأحد أول آذار/ مارس 2026)
خلال المؤتمر العشرين لشبكة مكافحة الاتجار بالنساء، طالبت الناشطة ينار محمد (الصورة) برفع السرية المحيطة بأعضاء تنظيم داعش ومحاكمتهم علنًا، وفي اليوم التالي اغتيلت على يد مسلحين في هجوم في بغداد صبحية الأحد 2 آذار/ مارس 2026. صورة من: Amal Saqr/DW

وختمت ينار حديثها لـ DW بالقول: “على السلطات العراقية أن تبين لنا: هل نحن مواطنات كاملات الأهلية والحقوق؟ أم يُنظر إلينا كمواطنين من درجة ثانية في المجتمع؟ لأن تجاهل تحقيق العدالة للنساء الناجيات يعني تكريس هذا التمييز.”

إن المطالبات المتزايدة من منظمات وناشطات عراقيات برفع السرية عن محاكمات عناصر “داعش” تكشف عن وعي متنامٍ بأهمية الشفافية في مسار العدالة، وتؤكد أن المجتمع لم يعد يقبل أن تُدار الملفات الكبرى خلف الأبواب المغلقة. فالمحاكمات العلنية لا تُعد مجرد إجراء قانوني، بل هي رسالة سياسية واجتماعية بأن العراق يسعى لترسيخ دولة القانون، حيث تُعرض الجرائم على الملأ، ويُمنح الضحايا حقهم في رؤية العدالة تتحقق أمام أعينهم.

ملحوظة تحريرية: اغتيلت ينار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق، صباح الاثنين الثاني من آذار/ مارس 2026 في بغداد، بعدما استهدفها مسلّحان، وفقًا لبيان أصدرته المنظمة. وجاء في البيان أن الراحلة “كرّست حياتها للدفاع عن النساء المعنّفات والناجيات من العنف والاتجار”، مؤكّدًا أنها كانت “صوتًا نسويًا صريحًا لا يساوم، وموقفًا ثابتًا في مواجهة كل أشكال العنف والتمييز، ولم تتراجع رغم التهديدات المتكررة وحملات التحريض”. 


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى