
في لحظة سياسية معقدة يعيشها العراق، برز اسم علي فالح كاظم الزيدي كأحد أكثر الترشيحات التي قد تبدو مثيرة للدهشة. فالرجل الذي لم يسبق له أن شغل منصبا حكوميا، ولا ظهر في مفاوضات القوى السياسية، وجد نفسه فجأة في قلب المشهد. ووفق وكالة الأنباء الفرنسية، فقد “كلف الرئيس العراقي نزار آميدي، علي الزيدي بتأليف الحكومة العراقية الجديدة، بعد ترشيحه من قبل الإطار التنسيقي” المؤلف من أحزاب شيعية مقربة من إيران وهو الكتلة الأكبر في البرلمان.
وجاء هذا التكليف في خضم انسحابات سياسية لشخصيات عراقية بارزة من المنافسة وضغوط دولية في اتجاه تشكيل حكومة عراقية وحرب إقليمية ألقت بظلالها على بغداد. وقالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن الزيدي “رجل أعمال… بلا حياة سياسية عامة”، وإن اختياره جاء بعد أشهر من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، ما جعل القوى العراقية تبحث عن مرشح “محايد” نسبيا.
وقال المحلل السياسي حمزة حداد لـ أ ف ب إن الزيدي “لكونه مصرفيا ومالك قناة تلفزيونية، لديه الوسائل لمساعدته في التأثير على الناس والسياسيين”. ورأى أن ترشيحه “يتيح كذلك للإطار التنسيقي بأن يقول إنه يلتزم بالمهلة الدستورية”: الثلاثين يوما. وفي حال نجاحه في تأليف حكومة سيصبح الزيدي أصغر رئيس للحكومة في تاريخ العراق.
رجل أعمال يدخل السياسة من بوابة الطوارئ
ونقلت أ ف ب أن الزيدي (وعمره 40 عاما)، يُنظر إليه على أنه مرشح تسوية. ولم يكن رجل الأعمال والمصرفي المالك لمحطة تلفزيونية، معروفا على نطاق واسع في الأوساط السياسية، مؤكدة أنه لم يسبق له أن تولى منصبا حكوميا. ويملك علي الزيدي استثمارات في قطاعات متعددة تشمل البنوك وتوريد مواد برنامج السلة الغذائية الحكومي العراقي الضخم الذي يخدم ملايين المواطنين.
وتكشف صحيفة شفق العراقية الناطقة بالإنجليزية أن الزيدي “بنى مسيرته المهنية بالكامل تقريبا خارج هياكل الحكومة المنتخبة”. ووفقا للصحيفة فقد ولدعلي الزيدي في محافظة ذي قار، ويحمل شهادات في القانون والمالية والمصارف، إضافة إلى دراسات عليا في المجال نفسه. وهو عضو في نقابة المحامين، رغم عدم وجود سجل له في ممارسة هذه المهنة في القطاع العام.
وتضيف الصحيفة أن الزيدي شغل رئاسة مجلس إدارة الوطنية القابضة، وهي مجموعة اقتصادية متعددة القطاعات، كما ترأس مصرف الجنوب الإسلامي، وتولى مناصب قيادية في جامعة الشعب ومعهد عشتار الطبي. هذا المسار المهني جعله من رجال الأعمال المؤثرين، دون أن يكون شخصية معروفة شعبيا أو سياسيا.
وأكد علي الزيدي بعيد تكليفه عزمه “على العمل مع جميع القوى السياسية لتشكيل حكومة تستجيب لمطالب المواطنين في ترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية الشاملة” وفق قوله، بحسب أ ف ب.
لماذا لم يترشح نوري المالكي؟
وتورد وكالة أ ف ب أن الإطار التنسيقي أعلن “تنازل نوري المالكي عن السعي للعودة إلى رئاسة الوزراء، بعدما قوبل ترشيحه… بمعارضة أمريكية حازمة”، بعد أن كان “الإطار التنسيقي” أعلن في يناير/ كانون الثاني 2026 ترشيح المالكي خلفا للسوداني، وذلك عقب الانتخابات التشريعية.
وتكشف نيويورك تايمز أن الرئيس الأمريكي هدد في يناير/كانون الثاني 2026 “بسحب الدعم الأمريكي للعراق إذا عاد المالكي“، مشيرة إلى أن المالكي يُنظر إليه أنه “متقارب مع إيران” خصوصا خلال ولايتيه بين 2006 و2014.
كما نقلت الصحيفة الأمريكية أن المالكي كتب في منشور على وسائل التواصل أن العراقيين “يرفضون بشكل قاطع هذا التدخل الأمريكي السافر”. وبعد التصعيد الإقليمي، أصبح ترشيحه عبئا سياسيا، ما دفعه إلى الانسحاب، وهو ما وصفه الإطار التنسيقي بأنه “موقف تاريخي مسؤول”.
لماذا لم يواصل محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة؟
استنادا لما نقلته أ ف ب، فإن محمد شياع السوداني تنازل أيضا “عبر التنازل عن الترشح لرئاسة الحكومة المقبلة وتشكيلها”. وتوضح نيويورك تايمز أن الولايات المتحدة علقت دعمها للأجهزة الأمنية العراقية، وأن “التعاون والتمويل قد تم إيقافهما” بسبب هجمات نفذتها فصائل موالية لإيران.
كما نقلت الصحيفة الأمريكية عن مستشار الأمن القومي حسين علاوي أن واشنطن “علقت دعمها حتى تشكيل حكومة جديدة”. هذا الضغط، إضافة إلى تعليق شحنات الدولار للعراق، جعل استمرار السوداني في منصبه غير ممكن، فاختار الانسحاب لفتح الطريق أمام مرشح توافقي.
الظروف الإقليمية التي صنعت لحظة الزيدي
وتؤكد وكالة أ ف ب للأنباء أن ترشيح الزيدي جاء “في ظل الحرب الإقليمية” التي اندلعت بعد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط 2026.
وخلال أكثر من 40 يوما، تعرضت مقار الحشد الشعبي لغارات، واستهدفت فصائل عراقية (موالية لإيران) مصالح أمريكية بهجمات، ونفذت طهران ضربات في شمال العراق.
وتشير الوكالة إلى أن القادة العراقيين “قلصوا محادثاتهم” المتعلقة بتسوية مسألة رئاسة الوزراء واختيار رئيس للحكومة داخل العملية السياسية العراقية نفسها لانشغالهم بمراقبة شؤون الحرب، ولم يستأنفوها بشكل مكثف إلا بعد وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل/نيسان 2026.
في هذا السياق، بدا اختيار شخصية غير صِدامية، وغير محسوبة على أي محور، خيارا عمليا لتجاوز الانسداد السياسي.
ردود فعل داخلية
من جانبه، هنَّأ رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الزيدي قائلاً في برقية نقلتها د ب أ: “نتقدم بالتهنئة والتبريكات إلى علي فالح كاظم الزيدي… متمنين له التوفيق في مهمته الوطنية”.
كما دعا الرئيس العراقي نزار آميدي القوى السياسية إلى “دعم رئيس الحكومة المكلَّف… للإسراع في تشكيل حكومة وطنية فاعلة”. أما الإطار التنسيقي، فأشاد بـ”المواقف التاريخية المسؤولة” للمالكي والسوداني، مؤكداً أن اختيار الزيدي جاء بعد “تدارس أسماء المرشحين”.
ويمثل رئيس الحكومة السلطة التنفيذية في العراق، بينما منصب رئيس الجمهورية شرفي إلى حد كبير. ويشغل كردي منصب الرئاسة، في ظل نظام تقاسم السلطة المصمم لتجنب الصراع الطائفي، ويتولى شيعي رئاسة الوزراء، ويشغل سني منصب رئيس البرلمان، وفق ما أكدت رويترز.
وذكرت صحيفة شقق العراقية أن الكتل البرلمانية السنية والكردية رحبت بتكليف الزيدي لرئاسة الحكومة.
تحديات أمام أصغر رئيس حكومة محتمل
وتشير أ ف ب إلى أن من شأن علي الزيدي أن يصبح “أصغر رئيس للحكومة في تاريخ العراق”. لكن أمامه ملفات ثقيلة، ومن أبرزها نزع سلاح الجماعات المدعومة من إيران وإصلاح العلاقات مع دول الخليج العربية ومعالجة الأزمة الاقتصادية بعد اضطرابات مضيق هرمز وتشكيل حكومة خلال 30 يوماً فقط، وتقديم برنامجه الحكومي للسنوات الأربع المقبلة إلى البرلمان العراقي لنيل الثقة في مرحلة غاية في الصعوبة ومليئة بالتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية. وهي مهمة معقدة في بلد تتقاطع فيه مصالح واشنطن وطهران بشكل مباشر.
تحرير: ابتسام فوزي
Source link



