أخبار العالم

لماذا تأخرت ألمانيا عن ركب قطار التحول نحو “الرقمنة”؟ – DW – 2026/1/1

أي معاملة يجب إنجازها في ألمانيا تتطلب الكثير من الأوراق والانتظار في طوابير بعد مواعيد بعيدة، كل هذا في عام 2025، العصر الذي يُفترض أن يزيد فيه الاعتماد على التقنيات والتحول إلى الرقمنة.

لكن ليس هذا هو الحال في ألمانيا، إذ يقول فيليكس ليسنر، من رابطة صناعة تكنولوجيا المعلومات الألمانية (Bitkom) إن ثلاثة أرباع الشركات الألمانية، أي 77 بالمئة تستخدم أجهزة الفاكس، و25 بالمئة منها تستخدمها بشكل متكرر.

وبحسب ما صرح ليسنر لـ DW، تصرّح معظم الشركات بأنها ضرورية للتواصل مع السلطات العامة، وربما هنا تكمن المشكلة الأساسية.

ألمانيا تتخلف عن الركب

بحسب تصنيفات الاتحاد الأوروبي للتطور الرقمي بين الدول الأعضاء، تحتل ألمانيا مرتبة متوسطة بين دول الاتحاد البالغ عددها 27 دولة في أحسن الأحوال.

وفيما يتعلق بالحكومة الإلكترونية، أي الخدمات العامة الرقمية، فإن ألمانيا متأخرة بشكل ملحوظ، إذ أظهرت دراسة شركة كابجيميني الاستشارية أن ألمانيا تحتل المرتبة 24 داخل الاتحاد الأوروبي.

يقول فرانك راينارتز، رئيس شركة الوكالة الرقمية في دوسلدورف، إن ألمانيا لا تعاني من مشكلة في الاستراتيجية أو الأهداف، “بل من مشكلة في إنجاز الأمور”.

تقدم مدينة دوسلدورف، البالغ عدد سكانها حوالي 650 ألف نسمة، 120 خدمة إدارية عبر الإنترنت من أصل 580 خدمة، أي ما يزيد قليلاً عن 20 بالمئة، ومع ذلك، تُعتبر دوسلدورف مدينة متقدمة رقمياً، وتحتل المرتبة السادسة في مؤشر المدن الذكية الذي تُصدره شركة Bitkom لقياس الخدمات الرقمية في المدن الألمانية. أما العاصمة برلين، فقد وصلت إلى قائمة أفضل 40 مدينة بصعوبة بالغة.

“التضخم المؤسسي” هو السبب

الهيكل الحكومي في ألمانيا المكوّنة من 16 ولاية يترك المجتمعات المحلية لتجد حلولها الخاصة. قال راينارتز لـ DW: “ليس لدينا الكثير من البرمجيات والعمليات التي تأتي من المستوى الفيدرالي، يجب على كل مدينة أن تجد حلها الخاص لإجراءات على مستوى الدولة، مثل تسجيل السيارات“.

بالإضافة إلى ذلك، يغيب التنسيق بين الولايات، وهو ما تسميه الباحثة ستيفاني كول “التضخم المؤسسي”.

وبعد دراسة كول وزملائها في معهد SHI في برلين أسباب عدم انتشار الخدمات العامة الرقمية في ألمانيا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، وأوضحت لـ DW أن “كل شخص يقوم بشيء ما، لكن كلٌّ يعمل بمعزل عن غيره، لا يوجد ترابط بين الحلول، وأحياناً لا يوجد توافق بين التقنيات أيضاً”.

ولهذا السبب تأسست وكالة فرانك راينارتز الرقمية، إذ تتمحور رؤيتها لمستقبل مدينة دوسلدورف الرقمي حول موقع إلكتروني، يتيح للسكان إمكانية الوصول إلى جميع الخدمات العامة عبر الإنترنت.

الدنمارك في الطليعة

تعتبر الدنمارك، الجارة الشمالية لألمانيا، متطورة رقمياً للغاية، إذ أوضح جاكوب فراير من مركز الدنمارك الرقمي في كوبنهاغن أن موقع Borger.dk هو منصة شاملة تتيح لجميع المواطنين الوصول إلى أكثر من 2000 خدمة عامة عبر منصة رقمية.

وقال آدم ليبك، نائب المدير العام لوكالة الحكومة الرقمية الدنماركية لـ DW: “كل شيء تقريباً، من الضرائب إلى الرعاية الصحية، متوفر عبر الإنترنت، ويكمن السر في الهوية الرقمية الإلزامية أو الهوية الإلكترونية”.

وأضاف: “يمتلك حوالي 97 بالمئة من السكان البالغين هوية إلكترونية، ويستخدمها 83 بالمئة منهم مرة واحدة أسبوعياً على الأقل”.

يرتكز النظام الرقمي في الدنمارك على رقم تعريف موحد يُسمى السجل المركزي للأفراد (CPR)، والذي اعتمدته البلاد عام 1968.

 ويقول ليبك: “بما أننا نستخدم نفس المعرّف لجميع الأنظمة، فإن ذلك يُسهّل تبادل البيانات”، وأضاف أن هذا يعني أنه بإمكاننا إنشاء خدمات سلسة عبر عدة جهات حكومية، وبالطبع، لا بد من الثقة بالحكومة.

وبينما تُظهر استطلاعات الرأي الدورية أن غالبية الدنماركيين يثقون بحكومتهم، فإن الألمان أكثر تشككاً حيال جمع البيانات المركزي الذي تديره الدولة، لأسباب تاريخية، تتمثل باستخدام الرايخ الثالث لهتلر وحكام ألمانيا الشرقية الشيوعيين البيانات الشخصية للتجسس على الناس والتحكم بحياتهم في تلك الحقبة.

كيف تفوقت الهند رقمياً؟

حققت الهند نقلة نوعية في مجال تطوير الخدمات الرقمية، حيث أنشأت نظام الهوية الإلكترونية الخاص بها، المسمى “آدهار” في غضون 15 عاماً فقط، وتشير بيانات حكومية رسمية إلى أن حوالي 99.9 بالمئة من سكان الهند يستخدمون “آدهار”.

يرتبط “آدهار” بمنصة دفع رقمية (UPI) التي يمكن الدفع بواسطتها في كل مكان، حتى عند الباعة المتجولين، يحوّل العملاء الأموال عبر رمز الاستجابة السريعة (QR) وتطبيق الهاتف المحمول.

وصرّح تيج بول بهاتلا، من شركة  TCS، أكبر شركة لتكنولوجيا المعلومات في الهند لـ DW بأن نظامي “آدهار” وUPI نظامين أساسيين تم تطويرهما بدعم من الدولة وبتمويل من القطاع الخاص.

وأضاف بهاتلا أن النظامين تم تصميمهما منذ البداية كنظامين مفتوحي المصدر للاستخدام العام والخاص، على غرار البنية التحتية العامة المتاحة للجميع.

أشار بهاتلا إلى أن البنية التحتية الرقمية كانت فرصة الهند لتسريع وتيرة التقدم، حتى أصبح “لدى ما يقرب من 80 بالمئة من السكان البالغين حسابات مصرفية اليوم”، وأضاف: “لولا نظامي “آدهار” وUPI، لكان استغرقنا 48 عاماً للوصول إلى نسبة انتشار الحسابات المصرفية التي نشهدها اليوم”.

يرى بهاتلا أن تحسين البنية التحتية الرقمية وتوفير منظومة متكاملة من الخدمات الرقمية من شأنهما أن يحفزا النمو الاقتصادي في دول مثل ألمانيا. وحذر قائلاً: “إذا لم يتحقق النمو، فستواجهون حتماً تهديدات من اقتصادات أخرى، وستصبح الحياة أكثر صعوبة”.

أعدته للعربية: ميراي الجراح

تحرير: عبده جميل المخلافي

 


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى