
تعتزم حكومة ولاية شمال الراين وستفاليا، توسيع نطاق التعليم الديني الإسلامي في المدارس. وأكدت وزيرة التعليم في برلمان الولاية بمدينة دوسلدورف، أن دراسة أكاديمية بتكليف من الحكومة أوضحت أن التعليم الديني، الذي بدأ تطبيقه قبل 14 عاما، يُعدّ عنصرا أساسيا في الرسالة التعليمية.
كما تُوفّر هذه الحصص الدراسية للطلاب المسلمين بيئة داعمة للتوجيه والإرشاد، حسب المتحدث نفسه، لا سيما في ظلّ انتشار محتوى في وسائل التواصل الاجتماعي يُثير الاستقطاب والكراهية، أو ينشر معلومات مُضلّلة، كما جاء في تقرير لموقع “دويتشلاند فونك”.
ما هي فوائد التعليم الديني الإسلامي؟
كلما طالت فترة التحاق الأطفال والمراهقين المسلمين بالتعليم الديني الإسلامي في شمال الراين وستفاليا، قلّ احتمال إظهارهم مواقف تتسم بمعاداة السامية أو كراهية النساء.
هذه هي النتيجة الرئيسية للدراسة التي أجراها معهد اللاهوت الإسلامي بجامعة مونستر (Zentrum für Islamische Theologie)، بقيادة مهند خورشيد الذي يعتبر واحدا من أهم الباحثين المعاصرين في موضوع التعليم الديني الإسلامي في أوروبا.
وتُسهِم حصص التعليم الديني الإسلامي، الذي يُقدّم باللغة الألمانية وفقا لمناهج محددة بوضوح وتحت إشراف إدارات المدارس، إسهاما كبيرا، بحسب الدراسة، في ضمان فهم “القيم الديمقراطية الأساسية كجزء من التعاليم الإسلامية”.
وعلى عكس بعض المجتمعات الدينية في المساجد، حيث يكون المصلّون في كثير من الأحيان مجرد مشاركين سلبيين، يُعزّز التعليم الديني الإسلامي النضج الديني والاستعداد لتقبّل التنوع.
وترى وزيرة التعليم دوروثي فيلر (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي)، التي كلّفت وزارتها بإجراء الدراسة، أن التعليم الديني الإسلامي الحكومي يُمثّل ثقلا موازنا هاما للمحتوى الديني على وسائل التواصل الاجتماعي. “لأنّ هناك فرقا كبيرا بين ما إذا كان تكوين الهوية الدينية يتم في المدرسة أو على منصة تيك توك”.
ارتفاع في عدد الطلاب المستفيدين
يوصي مؤلفو الدراسة حسب صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ بتطبيق برنامج التربية الدينية الإسلامية “بشكل شامل في جميع أنواع المدارس” في ولاية شمال الراين وستفاليا، الولاية الأكثر اكتظاظا بالسكان في ألمانيا.
عدد المشاركين في برنامج التربية الدينية الإسلامية، الذي بدأ في بعض المدارس الابتدائية في العام الدراسي 2012/2013، ثم توسع ليشمل المرحلة الإعدادية في العام الدراسي 2013/2014، والمرحلة الثانوية في العام الدراسي 2016/2017، يرتفع بشكل مطرد، فقبل عشر سنوات، كان عددهم 8300 فقط، بينما وصل في العام الدراسي الحالي إلى 32000.
ومع ذلك، لا يزال البرنامج، المُقدم حاليا في 247 مدرسة من أصل حوالي 5400 مدرسة في شمال الراين وستفاليا، لا يغطي سوى 6% تقريبا من أكثر من 500000 طالب مسلم. مشكلة أخرى تكمن في أن توفير العدد الكافي من المعلمين للتربية الدينية الإسلامية سيستغرق عدة سنوات. على الأقل، بالإضافة إلى مركز خورشيد للاهوت الإسلامي، وفرت جامعة بادربورن مؤسسة تعليمية ثانية في شمال الراين-وستفاليا منذ نهاية عام 2022.
ومع ذلك، لا يزال البرنامج، المُقدم حاليا في 247 مدرسة من أصل حوالي 5400 مدرسة في شمال الراين وستفاليا، لا يصل إلا إلى نحو 6٪ من أكثر من 500 ألف طالب مسلم. ويُعدّ الوضع معقدا من الناحية الدستورية.
التعليم الديني.. حق دستوري
فعلى الرغم من أن وزيرة التعليم فيلر، مثل سابقيها، تُشدد على الدور التعليمي الذي يهدف إليه التعليم الديني الإسلامي، إلا أنه لا يمكن اختزال البرنامج إلى مجرد إجراء لمكافحة التطرف. بل إن التعليم الديني حق أساسي للطلاب المسلمين، تماما كما هو الحال بالنسبة للطلاب البروتستانت والكاثوليك.
ومع ذلك، حتى مجرد البدء في توفير هذا التعليم الأساسي كان تحديا نظرا للقضايا المعقدة المتعلقة بالعلاقة بين الكنيسة والدولة. فالجمعيات الإسلامية غير معترف بها كجماعات دينية، ومع ذلك فهي وحدها المخولة بالامتياز الدستوري المتمثل في توفير التعليم الديني.
كان مفتاح إطلاق المشروع عام 2012 هو إنشاء مجلس استشاري مستقل، عمل فعليا كهيئة دينية، وكان من بين مهامه الموافقة على الكتب الدراسية ومنح تراخيص التدريس.
وُجهت انتقادات للمجلس الاستشاري لأن الجمعيات الممثلة فيه، مثل المجلس المركزي للمسلمين والاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية (DITIB)، لا تمثل سوى شريحة صغيرة من المسلمين المقيمين في ألمانيا، وتتبنى مذهبا إسلاميا محافظا على الطريقة التركية السنية، بينما لم تكن هناك تمثيلات لجماعات مسلمة أخرى أو مسلمين ليبراليين.
في ربيع عام 2021، استُبدل المجلس الاستشاري بلجنة مفتوحة العضوية جزئيا، لإتاحة تمثيل هذه الجماعات. مع ذلك، يشكو بعض المشاركين في دراسة خورشيده أيضا من أن “التنوع الديني والثقافي للمجتمع المسلم في شمال الراين وستفاليا” لا يزال غير مُجسّد بشكل كاف.
انتقادات للدراسة
يُعارض مُنتقدو التعليم الديني الإسلامي تطبيقه بشكل أساسي، مُشيرين إلى مخاوفهم من مشاركة جمعيات إسلامية مثيرة للجدل ذات تأثيرات أجنبية، وهيمنة الفصائل المُحافظة، وتساؤلات حول مؤهلات المُعلمين.
وعندما قدم خورشيد الدراسة مؤخرا إلى لجنة التعليم في برلمان الولاية، أثيرت حولها انتقادات كثيرة، فقد أشار الحزب الديمقراطي الحر، الذي كان يدعم سابقا برنامج التربية الدينية الإسلامية، ولكنه يدعو الآن إلى إلغائه واستبداله بمادة إجبارية كالأخلاق أو الفلسفة التطبيقية، إلى دراسة سابقة أجرتها جامعة مونستر على معلمي التربية الدينية الإسلامية المستقبليين. وكشفت هذه الدراسة أن ثلث المشاركين ينظرون إلى اليهود كأعداء، وأن خُمسهم يرون أن حقوق المرأة أقل من حقوق الرجل.
وأكد خورشيد أن الدراسة أظهرت أيضا أن هذه المواقف غير المقبولة تتضاءل مع تقدم الطلاب في دراستهم. وقال: “مهمتنا هي تثقيف الطلاب خلال دراستهم، ونحن ننجح في ذلك”. وينطبق الأمر نفسه على التربية الدينية الإسلامية. إذ تشير الدراسة إلى أن برنامج التربية الدينية الإسلامية يُمثل مساحة يتعلم فيها الطلاب “ممارسة دينهم بتأمل ومسؤولية، ووفقا للقيم الديمقراطية”. كما أن المشاركة لفترة أطول تُسهم في تقليل استهلاك الطلاب لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي ذي الصلة.
ومع ذلك، يوصي فريق خورشيد بمواصلة تطوير المنهج، إذ يُعدّ التركيز بشكل أكبر على التثقيف الإعلامي والمواضيع الاجتماعية الهامة، كالمساواة بين الجنسين ومكافحة معاداة السامية، ضروريا كزيادة التطوير المهني للمعلمين، “لا سيما فيما يتعلق بمهارات الحوار بين الأديان”.
Source link



