أخبار العالم

رغم العمل .. مواطنون تحت خطر الفقر في ألمانيا

إحصائيا، يُعتبر واحد من كل ستة أشخاص تقريبا في ألمانيامُعرّضا لخطر الفقر، وخلف هذا الرقم تقف معاناة يومية لأفراد يضطرون إلى حساب كل نفقة بعناية. ويُعتبر الشخص فقيرا في ألمانيا إذا كان دخله أقل من الحد الأدنى، الذي يبلغ حاليا 1446 يورو صافيا شهريا. أما أسرة مكونة من شخصين بالغين وطفلين، فيبلغ حد الفقر لديها 3036 يورو.

من يكسبون أقل من هذه الحدود لم يعودوا قادرين على تحمل  أتكاليف العديد من الأمور التي يعتبرها الآخرون من الأساسيات، مثل تناول الطعام خارج المنزل، شراء ملابس جديدة، أو حتى قضاء إجازة قصيرة.

تُظهر الإحصاءات أن الفقر في ألمانيا يتزايد منذ سنوات وفق تقرير لصحيفة تاغس شاو الألمانية. ففي عام 2023، كان 14.4% من السكان مُعرّضين لخطر الفقر، وارتفعت النسبة إلى 15.5% في عام 2024، ثم إلى  16.1% في عام 2025.  ويتأثر مجموعات معينة بشكل خاص، مثل الآباء والأمهات العازبين، والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، والعاطلين عن العمل، والمتقاعدين. إذ تبلغ نسبة المعرضين لخطر الفقر 28.7% بين الآباء والأمهات العازبين، و30.9% بين من يعيشون بمفردهم، و 64.9% بين العاطلين عن العمل، بينما تبلغ نسبة المتقاعدين 19.1%.

هاجس الفقر.. نموذج يوضح

تعمل كاتيا في “أينلادن”، وهو “بنك الطعام” التابع لمنظمة دياكوني الخيرية، ومركزا يوفر المواد الغذائية وسلعا أخرى بأسعار زهيدة. بالنسبة لها، يُعد هذا المركز خطوة لإعادة الاندماج في المجتمع بتمويل من مركز التوظيف، وليس عقد عمل رسمي. تتلقى كاتيا شون دعما للدخل الأساسي. فبعد خصم جميع النفقات الثابتة، يتبقى لها حوالي 400 يورو شهريا للطعام والضروريات الأخرى، حسب ما جاء في تقرير لصحيفة تاغس شاو الألمانية.

وتخطط بدقة، وتؤجل المشتريات من شهر لآخر. رغم أنها عملت سابقا في مجال التمريض، فإن المرض والانفصال عن شريك حياتها غيّرا مسار حياتها بالكامل. اليوم، أصبحت أما عزباء لطفلة صغيرة، وتقول: “أريد أن تعيش طفلتي أقل قدر ممكن من المتاعب”. ساعات العمل المعتادة في التمريض، من نوبات صباحية ومسائية وعطلات نهاية الأسبوع بالنسبة لها لا تتناسب إطلاقا مع رعاية طفلتها الصغيرة.

تُظهر أبحاث حول الفقر أنه لم يعد ظاهرة هامشية في ألمانيا، بل أصبح أقرب إلى الطبقة المتوسطة. أسباب ذلك هي أزمات متتالية، منها جائحة فيروس كورونا، وارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير عقب الحرب في أوكرانيا، والتضخم المرتفع باستمرار، والذي تفاقم مؤخرا بسبب الحرب في إيران.

والنتيجة، أصبحت تكاليف السكن والمواصلات والتدفئة والغذاء مرتفعة بشكل ملحوظ، لا سيما بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض. يشهد التضخم ارتفاعا متجددا: ففي مارس، ارتفعت الأسعار في ألمانيا بنسبة 2.7% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وهو أعلى معدل تضخم منذ يناير 2024. وفي فبراير، بلغ 1.9%، وفي يناير 2.1%.

تُعد الطاقة المحرك الرئيسي لارتفاع الأسعار، حيث زادت أسعارها بنسبة 7.2% في مارس مقارنة بالعام السابق، وشهدت أسعار الوقود وزيت التدفئة ارتفاعا حادا بشكل خاص. يبلغ معدل التضخم الأساسي، أي الزيادة في الأسعار باستثناء الطاقة والغذاء، 2.5%، مما يشير إلى استمرار ارتفاع مستوى الأسعار العام.

العمل لا يحميك من الفقر

لا يعني التعرض لخطر الفقر بالضرورة البطالة، فالكثير من البالغين العاملين في قطاعات منخفضة الأجور يتأثرون به، ويضطرون إلى استكمال دخلهم بإعانات حكومية. وحتى العمل لسنوات طويلة قبل فقدان الوظيفة لا يوفر حماية كاملة، كما يظهر في حالة المتقاعدة أورسولا وفق ما أورده تقرير صحيفة تاغس شاو.

أنهت أورسولا في البداية تدريبا مهنيا في مجال البيع بالتجزئة، ثم عملت في قطاع المطاعم، وهو قطاع ظلّ فيه العديد من العاملين مسجلين بأجور الحد الأدنى لعقود. واليوم، لا يكفي معاشها التقاعدي لتغطية جميع نفقات معيشتها.

ومثل العديد من كبار السن، تلجأ إلى خدمات “بنك الطعام” للحصول على حاجياتها الغذائية. ويشير “بنك الطعام” في فرانكفورت إلى تزايد عدد المتقاعدين الذين يعتمدون على الدعم بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة. ويقول بيتر ميتز، رئيس “بنك الطعام” في فرانكفورت: “من الحقائق المؤكدة أن الفقر بين كبار السن يتزايد”.

يُؤكد باحثو في مجال استفحال ظاهرة الفقر، أن الفقر نادرا ما يكون نتيجة قرارات فردية خاطئة، بل هو في المقام الأول نتيجة تطورات هيكلية. تشمل هذه التطورات قطاعا واسعا من ذوي الأجور المنخفضة، وعدم استقرار تاريخ العمل، وارتفاع تكاليف السكن، وتشتت مسارات العمل.

كما أن انخفاض أو ركود المزايا الاجتماعية، وإصلاحات نظام التقاعد التي تميل إلى خفض مستويات المزايا، تزيد من خطر الوقوع في براثن الفقر في سن الشيخوخة. في الوقت نفسه، تُظهر نظرة على اتجاهات التضخم مدى سرعة تأثير الصدمات الخارجية على الفئات الأكثر ضعفا. فعندما ترتفع أسعار الطاقة فجأة، ويصبح الوقود أو زيت التدفئة أغلى بنسب مئوية مضاعفة خلال عام واحد، تصبح هذه التكاليف شبه حتمية.

ما الذي يمكن أن يمنع الفقر؟

وفقا للخبراء، فإن إمكانية عكس اتجاه تزايد خطر الفقر تعتمد إلى حد كبير على السياسات الاجتماعية وسياسات سوق العمل في السنوات القادمة.

يدعو الباحث في شؤون الفقر، كريستوف باترويغ، إلى تعزيز دولة الرفاه، ورفع الأجور الثابتة بنا يتجاوز مستوى أجور الطبقة الدنيا، وتوفير دخل أساسي يضمن الحماية من الفقر، إضافة إلى إصلاحات تحد من الفقر بين كبار السن بدلا أن تؤدي إلى تفاقمه.

كما أن الاستثمار في السكن الميسور التكلفة وتقديم دعم موجه لتخفيف أعباء تكاليف الطاقة والغذاء من شأنه أن يحصن المزيد من الفئات من الانزلاق إلى دائرة الفقر.

الأمر الواضح هو أن الفقر في ألمانيا ليس مجرد إحصائية مجردة، بل هو واقع يعيشه ملايين الأشخاص، على الرغم من دخل المواطن، وعلى الرغم من عقود من العمل، وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة لتوفير المال.

ولا يسهم الارتفاع الحالي في التضخم في تحسين أوضاعهم، بل يزيدها تعقيدا. وفي النهاية، يبقى تراجع الفقر أو تفاقمه مرهونا بمدى استعداد المجتمع لمواجهته بوصفه مسؤولية مشتركة تتطلب عملا جماعيا.

مراجعة: طارق أنكاي 


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى