
شهدت صورة سوريا تغيرات جذرية خلال العام الماضي، من دولة راعية للإرهاب، إلى بلد مزقته الحرب الأهلية، إلى مركز محتمل يربط الشرق الأوسط بأوروبا، مركز قادر على إنقاذ العالم من تداعيات حصار مضيق هرمز.
جاء هذا التصور الإيجابي نتيجة للحرب مع إيران، فبعد الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران أواخر فبراير/ شباط الماضي، أغلقت إيران مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم لنقل النفط الخام من العراق والسعودية والكويت والإمارات.
وتقدم سوريا نفسها الآن كبديل محتمل لمنتجي النفط والغاز الذين لا يملكون سبيلا لتسويق منتجاتهم. إن موقع سوريا في قلب المنطقة، وسياستها الخارجية التي تعمدت إبعادها عن الحرب مع إيران، جعلا الفكرة تلقى ترحيبا حارا.
وفي بعض الجوانب، يجري بالفعل تطبيق هذه الفكرة، ففي أوائل أبريل/ نيسان الماضي، أعادت سوريا والعراق فتح حدودهما أمام ناقلات النفط العراقية للوصول إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط.
وفي منتصف أبريل/ نيسان، نقلت صحيفة “المجلة” اللندنية وثيقة مسربة نُسبت إلى توماس باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، دعا فيها هو الآخر إلى إنشاء “جسر بري عبر سوريا”. وذكرت “المجلة” أن باراك كان يشير إلى آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب التي يمكن أن تربط دول الخليج والعراق بالأسواق الأوروبية.
الحياد الاستراتيجي
هذه واحدة فقط من الطرق التي تستفيد بها سوريا من موقف وصفه المراقبون بـ”الحياد الاستراتيجي” في الحرب مع إيران.
تتألف الحكومة السورية المؤقتة من فصائل المعارضة التي أطاحت بالدكتاتور بشار الأسد، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، في أواخر عام 2024. وقد دعمت إيران وجماعات مختلفة في المنطقة، مثل حزب الله اللبناني، نظام الأسد وحاربت فصائل المعارضة.
وقال خضر خضور، باحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، في نقاش عُقد في مارس/آذار: “وصلت السلطات الجديدة في دمشق إلى السلطة بدافع رئيسي واحد: منع سوريا من أن تصبح مجدداً ساحة للصراعات الإقليمية. ولهذا السبب، ومنذ بدء الصراع مع إيران، ركزت السلطات السورية بشكل أكبر على إدارة تداعيات هذا الصراع بدلا من الانخراط فيه بشكل مباشر”.
ومنذ وصولها إلى السلطة، نأت السلطات السورية المؤقتة بنفسها عن إيران من خلال تعزيز حدودها وتشديد الرقابة على تهريب الأسلحة والأموال والمخدرات إلى الجماعات الوكيلة المدعومة من إيران في العراق ولبنان.
بالإضافة إلى ذلك، وعلى عكس العراق، لم تُقدّم سوريا شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة بشأن استخدام الولايات المتحدة وإسرائيل مجالها الجوي لمهاجمة إيران، كما أشار سامي عقيل، الباحث في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، في تحليل نُشر في مارس/ آذار الماضي. ويقول عقيل إن البعض فسّروا ذلك على أنه موافقة سورية على الحملة ضد إيران.
لكن، كما أضاف عقيل، “يبدو موقف سوريا ضرورة وليس اختيارا.. فإعادة اندماجها الدولي، وتخفيف العقوبات عنها، وتمويل إعادة الإعمار، كلها أمور تعتمد على الحفاظ على مصداقيتها لدى واشنطن ودول الخليج”.
كما شنّ الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع حملة دبلوماسية مكثفة، شدّد خلالها باستمرار على مدى أهمية بلاده. وفي الشرق الأوسط، روّج لآليات التنسيق الأمني الإقليمي والعمليات المشتركة مع دول الخليج.
كما قام بجولات في أوروبا، بما في ذلك ألمانيا، وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عقب زيارة الرئيس السوري المؤقت إلى برلين في مارس/آذار: “سوريا مركز استراتيجي بين أوروبا ودول الخليج ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ“.
وفي أواخر أبريل/ نيسان، اقترحت المفوضية الأوروبية أن يستأنف الاتحاد الأوروبي اتفاقية التعاون الموقعة عام 1978 مع سوريا. ومن المقرر أن يعقد الاتحاد حوارا سياسيا رفيع المستوى مع السلطات السورية في 11 مايو/ أيار.
وأكدت كارميت فالنسي، الباحثة في معهد الدراسات الأمنية الوطنية الإسرائيلي، في إحاطة إعلامية أواخر مارس/ آذار: “إن الحملة الدبلوماسية المكثفة التي يشنها الشرع منذ بداية الحرب.. تشير إلى مسعى لاستغلال الحرب لتقديم سوريا كطرف بنّاء وفعّال”.
فرص عديدة
هناك أيضا فرص اقتصادية. فإلى جانب خطة تسهيل صادرات النفط، تجري سوريا محادثات مع شركات طاقة دولية كبرى حول استكشاف النفط والغاز. ومن المتوقع أن ينمو النقل البري والسككي بين العراق وسوريا والأردن، وكذلك ممرات الخدمات اللوجستية وشبكات الكهرباء.
يمكن لسوريا أيضا أن تلعب دورا مهما في مد الكابلات الرقمية وكابلات الاتصالات الأرضية. وفي أبريل/ نيسان، حذرت إيران من أن كابلات الاتصالات البحرية المارة عبر مضيق هرمز قد تكون عرضة للهجوم. وفي فبراير/شباط، أعلنت السعودية أنها تفضل مدّ كابلات الألياف الضوئية لما يُعرف بممر الشرق إلى المتوسط (EMC) مع اليونان، عبر سوريا بدلا من إسرائيل، كما كان مخططا له في الأصل.
ورغم أن هذا يبدو متفائلا، إلا أن قدرة الحكومة السورية الجديدة على استغلال هذه الفرص ستعتمد على حلّ بعض المسائل الجوهرية المتعلقة بانتقال البلاد من الحكم الديكتاتوري والحرب الأهلية، كما يشير المراقبون.
وكتب الصحفي السوري مازن عزي الأسبوع الماضي في صحيفة “العمارجي”، وهي وسيلة إعلامية إلكترونية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط ومقرها مدينة لايبزيغ في شرق ألمانيا: “الاهتمام الاستثماري حقيقي، لكنه يبقى مرهونا بالاستقرار السياسي، ووضوح الأنظمة، والضمانات الأمنية، وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية”.
وقد تُسبب هشاشة الحكم وعدم استقرار النظام المالي، والتهديدات الأمنية الناجمة عن التوترات المجتمعية في سوريا أو الجماعات المتطرفة مثل تنظيم “الدولة الإسلامية”، مشاكل عديدة. يقول خبراء القطاع إن الكثير من البنية التحتية المطلوبة إما غير موجودة أو تحتاج إلى تحديث. إضافة إلى ذلك، هناك كميات كبيرة من الذخائر غير المنفجرة التي يجب التخلص منها.
وخارج سوريا، هناك ضغوط من دول مثل إيران وإسرائيل وروسيا، وتنافسات جيوسياسية في سوق الطاقة، واحتمالية عدم تعاون دول العبور الأخرى مع خطط سوريا، كما توجد منافسة من طرق بديلة تتجاوز سوريا.
وأشارت شركة كرم شعار الاستشارية، المتخصصة في الاقتصاد السوري، إلى أن سوريا تواجه حاليا صعوبة في توليد ما يكفي من الطاقة لشعبها، فضلا عن نقل النفط والغاز بكفاءة إلى دول أخرى.
وكتب الباحثون في أواخر مارس/ آذار: “لقد عاد الاهتمام إلى إمكانات سوريا كمركز للطاقة”، لكن حسبهم: “يجب التمييز بوضوح بين مركز عبور ودولة عبور. فالمركز يُحدد المسارات والتسعير والتنويع، بينما دولة العبور لا تعدو كونها مُضيفة للبنية التحتية التي تُحددها جهات خارجية. الخطاب الرسمي السوري يطمح إلى الأول، لكن الواقع الحالي يُشير إلى الثاني”.
أعدته للعربية: ماجد بوعزة
تحرير: عماد غانم
Source link



