أخبار العالم

داخل السجون المغربية .. هكذا يعيش النزلاء أجواء كأس أفريقيا! – DW – 2026/1/3

منذ اللحظة الأولى لدخولنا بوابة سجن تامسنا بضواحي الرباط، بدا واضحًا أن المكان يعيش على إيقاع مختلف. مشهد استثنائي تختلط فيه الأعلام الأفريقية بأصوات الموسيقى والهتافات، في صورة غير مألوفة خلف الجدران العالية.

في الممرات، علّقت رايات دول أفريقية، وفي إحدى القاعات كانت تُبث موسيقى تنشيطية تضفي حيوية لافتة على المكان.

داخل قاعة واسعة، تجمّع نزلاء من جنسيات مختلفة قُسّموا إلى مجموعات تمثل منتخبات أفريقية، من بينها المغرب والسنغال ونيجيريا. مسابقة ثقافية رياضية تدور أسئلتها حول تاريخ كرة القدم الأفريقية وأبرز نجومها، وسط تفاعل كبير وتصفيق حار. ومع إعلان المجموعة الفائزة، انطلقت الهتافات، وبدأت المجموعة الفائزة في الرقص على ايقاعات موسيقى أفريقية.

“هذه الأنشطة تجعلنا ننسى للحظات أننا داخل السجن. نشعر أننا نعيش أجواء الكان مثل الجميع”، يقول سجين مغربي يبدو أنه في بداية العشرينات من عمره.
بينما يؤكد نزيل من السنغال أن هذه المبادرة “خففت كثيرًا من الضغط النفسي وجعلتنا نشعر بأننا جزء من هذا الحدث الكبير”.

استوديو تحليلي لفائدة سجناء بسجن تامسنا ضواحي الرباط لمتابعة بطولة أمم أفريقيا لكرة القدم بالمغرب (29/12/2025)
أطر في إدارة السجون في المغرب ينظمون استوديوهات تحليلية للسجناء تمكنهم من متابعة بطولة أمم أفريقيا بكل تفاصيلهاصورة من: Hicham Driouich/DW

استوديو تحليلي داخل السجن

غير بعيد عن القاعة، هناك استوديو مصغّر قد أُعد بعناية، تحيط به أعلام الدول المشاركة ومجسم لكأس أفريقيا. هناك، يجلس منشطون تابعون لإدارة السجون إلى جانب ضيوف من عالم كرة القدم، يناقشون مجريات البطولة في حلقات تحليلية تُبث مباشرة إلى مؤسسات سجنية أخرى عبر تقنيات التواصل عن بُعد.

أحد المشرفين على هذا الفضاء أوضح لـDW أن المبادرة تندرج ضمن برنامج “Pris AFCON” (كأس أفريقيا للسجناء)، الذي أطلقته المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بالتوازي مع تنظيم المغرب لكأس أمم أفريقيا، مضيفًا أن الهدف هو إشراك النزلاء في الأجواء الوطنية الكبرى وعدم عزلهم عن محيطهم المجتمعي.
ويتابع: “نستضيف لاعبين سابقين ومحللين رياضيين ومدربين داخل هذا الاستوديو ونقوم بتحليل جميع المباريات وخاصة مباريات المنتخب المغربي. اليوم مثلا استضفنا اللاعب الدولي المغربي السابق الحسين أوشلا، الذي تواصل مع السجناء هنا وفي ست سجون أخرى تابعة للمدن التي تحتضن مباريات كأس أفريقيا”.

سجناء يمثلون المنتخب التونسي يواجهون سجناء من بوركينافاسو في بطولة تحاكي بطولة أمم أفريقيا لكرة القدم التي يحتضنها المغرب. (الرباط 29/12/2025)
سجناء يمثلون المنتخب التونسي يواجهون سجناء من بوركينافاسو في بطولة تحاكي بطولة أمم أفريقيا لكرة القدم التي يحتضنها المغرب. (الرباط 29/12/2025)صورة من: Hicham Driouich/DW

بطولة مصغرة تحاكي بطولة الـ”كان”

من خارج هذا الاستوديو التحليلي، استرعت انتباهنا أصوات صاخبة تشبه هتافات الملاعب. توجهنا نحو ساحة السجن، لنكتشف أنها تحوّلت إلى فضاء لكرة القدم المصغّرة، حيث جرت مباراة بين نزلاء يمثلون تونس وآخرين يمثلون بوركينا فاسو، في إطار بطولة مصغّرة تحاكي منافسات كأس أمم أفريقيا (الكان)، بمشاركة سجناء من 15 دولة أفريقية.

وبينما كان ممثلو تونس وبوركينا فاسو يتنافسون بحماس داخل أرضية الملعب، كان زملاؤهم من باقي النزلاء، خاصة المغاربة، يواكبون المباراة بالتصفيق وقرع الطبول، في أجواء حماسية تذكر بأجواء الملاعب الحقيقية.

سألنا أحد السجناء التونسيين عن أجواء المباراة، فقال: اللياقة البدنية ليست في أفضل حالاتها، لكن الأجواء رائعة”. وعن متابعته لمشوار المنتخب التونسي في بطولة “كان 2025″، أوضح أنه يحرص على متابعته ويشجعه، معبّراً عن أمله في أن يذهب بعيداً في المنافسات. 

ومن جانبه، عبّر سجين تونسي آخر عن سعادته بهذه المبادرة، مؤكداً أنها جمعت السجناء التونسيين في المغرب في إطار رياضي وإنساني مميز، ضمن بطولة “Pris Afcon” (كأس أفريقيا للسجناء).

أما من جانب الفريق المنافس، فقد أكد أحد السجناء المنحدرين من بوركينا فاسو أن التنظيم كان جيداً، وأن هذه البطولة المصغرة أتاحت لهم فرصة لقاء أصدقاء لم يروهم منذ مدة طويلة، مضيفاً بثقة أن فريقه مرشح للفوز باللقب نظراً لقوة عناصره، ومتمنياً في الوقت نفسه التوفيق للمنتخب المغربي في نهائيات كأس أمم أفريقيا.

سجناء من بلدان افريقية مختلفة يشاركون في مسابقة ثقافية في سجن تامسنا ضواحي الرباط تزامنا مع احتضان المغرب لبطولة أمم افريقيا لكرة القدم (الرباط 29/12/2025).
سجناء من بلدان افريقية مختلفة يشاركون في مسابقة ثقافية في سجن تامسنا ضواحي الرباط تزامنا مع احتضان المغرب لبطولة أمم افريقيا لكرة القدم (الرباط 29/12/2025).صورة من: Hicham Driouich/DW

مبادرات تتجاوز الترفيه

لا تقتصر هذه الأنشطة الرياضية والثقافية المواكبة لبطولة أمم أفريقيا على سجن تامسنا بضواحي الرباط وإنما تشمل المدن الستة، التي تحتضن مباريات كأس أمم أفريقيا وهي الرباط، الدار البيضاء، مراكش، فاس، أكادير وطنجة.

ويرى بنعيسى بن ناصر، رئيس قسم التأهيل التربوي والعمل الاجتماعي والثقافي بالمندوبية العامة لإدارة السجون، أن برنامج  PRIS-AFCON يندرج ضمن انفتاح المندوبية على التظاهرات الوطنية والقارية، بهدف إشراك النزلاء في أجوائها وعدم عزلهم عنها.

 ويوضح أن البرنامج، المواكب لبطولة كأس أمم أفريقيا 2025، يُنظم داخل ست مؤسسات سجنية بالمدن المحتضنة للبطولة، ويشمل دورياً لكرة القدم المصغرة يشارك فيه 150 نزيلاً يمثلون 15 دولة أفريقية، إضافة إلى أنشطة ثقافية وفنية ولقاءات مع لاعبين سابقين.

 كما أكد بن ناصر أن هذه المبادرات تندرج ضمن برامج تأهيلية مستمرة على مدار السنة، تشمل التعليم، الأنشطة الثقافية والمهرجانات الفنية لفائدة مختلف فئات النزلاء.

أعلام البلدان الأفريقية المشاركة في بطولة كأس أمم أفريقيا بالمغرب حاضرة أيضا بسجون المملكة في تفاعل مع البطولة (الرباط: 29/12/2025)
أعلام البلدان الأفريقية المشاركة في بطولة كأس أمم أفريقيا بالمغرب حاضرة أيضا بسجون المملكة في تفاعل مع البطولة (الرباط: 29/12/2025)صورة من: Hicham Driouich/DW

تحديات قائمة وخطوات نحو الإصلاح

رغم الجهود الإصلاحية التي تبذلها السلطات، ما تزال أوضاع السجون في المغرب تثير نقاشًا واسعًا في الأوساط الحقوقية، وسط مطالب متزايدة بتسريع وتيرة الإصلاح وضمان كرامة النزلاء.

 ويُعدّ الاكتظاظ أبرز التحديات المطروحة. فقد أشار  المرصد المغربي للسجون في تقريره لعام 2023  إلى أن نسبة الاكتظاظ بلغت نحو 159 في المئة، رغم إحداث مؤسسات سجنية جديدة في عدد من المدن.

 وفي محاولة لمعالجة هذا الوضع، شرعت الدولة في اعتماد بدائل للعقوبات السالبة للحرية، من بينها العمل للمنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية والعلاج والتأهيل، حيث دخل قانون العقوبات البديلة حيّز التنفيذ في أغسطس/ آب 2025، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشراً على توجه نحو تعزيز العدالة الإصلاحية.

تحرير: صلاح شرارة


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى