أخبار العالم

السعودية في مواجهة “محور الانفصاليين” الإماراتي .. من سيربح؟ – DW – 2026/1/8

لطالما تنافستا خلف الكواليس، لكن الأسبوع الماضي اتخذ التنافس بين اثنتين من أكثر دول الشرق الأوسط نفوذاً – المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة – منحى عنيفاً وعلى مرأى من الجميع.

في الثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر، قصفت السعودية مدينة المكلا الساحلية في اليمن، مستهدفة شحنة أسلحة كانت  موجهة للانفصاليين هناك.  كانت الشحنة قد أُرسلت من قبل الإمارات إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى إلى إقامة دولة منفصلة في جنوب اليمن.

وقالت الإمارات إن الشحنة كانت مخصصة لقواتها الأمنية في المنطقة،   لا للمجلس الانتقالي الجنوبي. غير أن السعوديين لم يصدقوا ذلك، إذ قالوا إنهم حذروا الإمارات من إرسال الأسلحة، وإنهم اعتبروا التصرفات الإماراتية “خطيرة للغاية.

تقع محافظة حضرموت اليمنية، حيث ينشط المجلس الانتقالي الجنوبي، على حدود برية طويلة مع السعودية. وأوضح الباحث السعودي هشام الغنام، الباحث غير المقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، لوسيلة إعلام يمنية هي “عدن الغد”، أن سيطرة جماعة غير متحالفة مع السعوديين على تلك المنطقة لم يكن أمرا مقبولا لدى الرياض.

كانت الضربات السعودية أول مواجهة مباشرة بين البلدين، وبعدها أعلنت الإمارات أنها ستسحب أي قوات إماراتية متبقية من اليمن. لكن خبراء يرون أن المشكلة الأساسية بين الإمارات والسعودية لن تختفي، لأن جوهرها يعود إلى اختلاف جذري في نهجي السياسة الخارجية لدى البلدين.

وقال كريستيان كوتس أولريخسن، الزميل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس (The Rice University’s Baker Institute for Public Policy)، إن “التطورات الإقليمية في الأشهر القليلة الماضية أوضحت بجلاء اختلاف الرؤى حول شكل النظام الإقليمي. وأضاف أن البلدين وقفا على طرفين متقابلين في عدد من النزاعات. وأوضح الخبير: “لا توجد في السعودية شهية لمغامرات عسكرية جديدة، على عكس ما يُنظر إليه على أنه استعداد لدى أبوظبي للمخاطرة ودعم جماعات مسلحة من غير الدول.

ويركز الثقل الإقليمي السعودي أكثر على السعي إلى الاستقرار، وتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي، ودعم التنمية الداخلية، إلى جانب العمل عبر مؤسسات قائمة مثل الأمم المتحدة، بحسب ما يرى ه. أ. هيليير، الزميل البارز في “المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية”(RUSI) في لندن.

“حرب باردة” بين السعودية والإمارات

في المقابل، تميل الإمارات إلى ما وصفه باحثون بنموذج أكثر ميكافيلية  في السياسة الخارجية، يُعرف بـ”الهدم من أجل البناء”، وهو نموذج لا ينسجم بالضرورة مع التوافق العربي الإقليمي. ويصف أندرياس كريغ، المحاضر البارز في “كلية دراسات الأمن في كلية كينغز بلندن” (School of Security Studies at King’s College London)، ما تقوم به الإمارات بأنه بناء “محور للانفصاليين”، أي دعم فاعلين مسلحين من غير الدول في أماكن مثل ليبيا والسودان والصومال  واليمن،  بهدف كسب النفوذ من دون التعامل المباشر مع الحكومات، وهو ما تنفيه الإمارات باستمرار.

ويشرح كريغ أن “محور الانفصاليين ت مترابط ومرن، وهو أكثر صلابة من النهج السعودي المتمحور حول الدولة، لأنه لا يعتمد على عاصمة واحدة أو قناة واحدة أو اتفاق رسمي واحد، بل تتقاطع الأموال واللوجستيات والطيران والموانئ والإعلام والضغط السياسي والمشتريات داخل الفضاء الإماراتي. ويضيف أن هناك الكثير مما يجري “تحت الطاولة”، من قبل الوسطاء والتجار ووسطاء الشحن والطيران والكيانات التجارية ومسارات النقد والسلع. ومن خلال هذه الشبكات المتعددة الطبقات، اكتسبت الإمارات نفوذاً ووصولاً إلى طرق بحرية مهمة وموانئ ومراكز طاقة.

ويخلق ذلك، بحسب كريغ، “نظاماً إقليمياً بديلاً تضع فيه أبوظبي الشروط عبر العقد والممرات بدلاً من المعاهدات، ما يؤدي إلى تهميش القوى الإقليمية التقليدية عبر الالتفاف على نفوذها. وقد أدى هذا إلى وقوف السعودية والإمارات على طرفين متقابلين في نزاعات عدة. فعلى سبيل المثال، لعبت السعودية دور الوسيط في السودان، داعمة الحكومة المعترف بها دولياً، في حين اتُهمت الإمارات بدعم قوات الدعم السريع شبه العسكرية.

ومؤخراً، عندما اعترفت إسرائيل بـ”أرض الصومال” دولة منفصلة عن الصومال، احتجت غالبية الدول العربية، ومن بينها السعودية، على هذه الخطوة المثيرة للجدل، بينما امتنعت الإمارات عن ذلك نظراً لعلاقاتها الوثيقة بـ”أرض الصومال” وبإسرائيل. كما طبّعت الإمارات علاقاتها مع إسرائيل،  في حين تؤكد السعودية أنها لن تفعل ذلك قبل التوصل إلى حل لقضية الدولة الفلسطينية.

واتُّهمت الإمارات أيضًا بتشجيع فصائل انفصالية في سوريا، ولا سيما ضمن الأقلية الدرزية، تسعى إلى الانفصال عن الحكومة السورية الجديدة المدعومة من السعودية.

وباتت الخلافات بين الرياض وأبو ظبي أكثر صعوبة في إدارتها بالدبلوماسية، ويرى مراقبون أنها تقود إلى شكل من أشكال “الحرب الباردة” بين اثنتين من أبرز دول الشرق الأوسط.

عربات قتالية مدمرة بفعل القصف السعودي في ميناء المكلا اليمني
أعلنت السعودية أنها قصفت في ميناء المكلا شحنة أسلحة قادمة من دولة الإمارات للانفصاليين.صورة من: Stringer/AFP/Getty Images

الإمارات تغير تكتيكها؟

التوتر السياسي انعكس على الشارع؛ إذ تراشق مواطنون من البلدين لفظياً على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال أحد المحللين السعوديين إن الإمارات “تمزق الدول والمجتمعات”، بينما شبّهها آخر بأخ صغير متمرد. في المقابل، رأى معلق إماراتي أن السعودية تتصرف كأخ أكبر يعتقد أنه أفضل من الجميع. ومع ذلك، لا يتوقع المراقبون في الوقت الراهن أن تتجاوز الأمور حدود السجال الكلامي.

وقال كريستيان كوتس أولريخسن، الزميل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس (The Rice University’s Baker Institute for Public Policy): “تحرك السعوديون بحزم في اليمن لحماية مصالحهم، وربما كانت هذه إحدى المرات الأولى التي تواجه فيها الإمارات رد فعل قوياً بسبب دعمها لجماعات في بعض الدول. غير أنه أشار إلى عدم وجود رغبة حقيقية في قطيعة دائمة، مرجحاً أن “يضاعف السعوديون والإماراتيون تمسكهم بمساراتهم السياسية المنفصلة. كما يرى كريغ أن الإمارات، رغم سحب قواتها الخاصة من اليمن، لن تتراجع بالكامل، موضحاً أن هذا نمط متكرر، إذ “تميل الإمارات عند مواجهة المقاومة إلى تعديل الأسلوب لا التخلي عن جوهر الاستراتيجية.
يرى أندرياس كريغ، المحاضر البارز في “كلية دراسات الأمن في كلية كينغز بلندن” (School of Security Studies at King’s College London) أن  الإمارات  حققت الكثير عبر هذه المقاربة، لكن “العامل الحاسم يبقى الكلفة السياسية والسمعة. ويضرب مثالاً على ذلك باتهام قوات الدعم السريع في السودان، المدعومة من الإمارات، بارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة، وما تبع ذلك من انتقادات للإمارات. ويخلص إلى أن السودان يشكل اختباراً حاسماً لسياسة “محور الانفصاليين” الإماراتية، موضحاً أن “كلفة الإبقاء على منظومة تتمحور حول قوات الدعم السريع تتصاعد، وقابلية الإنكار تتراجع، والتداعيات السلبية باتت متعددة الاتجاهات، بما في ذلك من داخل الخليج. ويؤكد أن الطرف القادر في النهاية على تحويل النفوذ إلى شرعية واستقرار دائم هو من سيحقق الفوز الحقيقي.


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى