
جاك تيلي من أكثر الأسماء المتداولة إعلاميا وعلى وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع في ألمانيا. تيلي مُصمم معروف لعربات الكرنفالفي مدينة دوسلدورف. التصاميم المُتوقعة له هذا العام خلقت أفق انتظار غير مسبوق، خصوصا وأن الفنان يواجه مُلاحقة قضائية غيابية في موسكو، حيث ستُعرض قضيته أمام المحكمة في الـ 26 من فبراير/ شباط الجاري. وفيها تتهم السلطات الروسية تيلي بنشر “معلومات كاذبة عن الجيش الروسي” وبـ”تشويه سمعة مؤسسات الدولة”، وهي تهم ثقيلة تصل عقوبتها إلى السجن لمدة عشر سنوات.
الضغوط الروسية لم تأثر على التزام تيلي السياسي والفني، إذ أكد أنه سيواصل عمله كالمعتاد. وأضاف في مقابلة نُشرت على موقع “ويب.دي نيوز” الألماني (13 فبراير/ شباط 2026) قائلا: “لا أعمل وفق شعار “الآن أكثر من أي وقت مضى”، كما أنني لن أصبح متحفظًا بشكل خاص بدافع الاحترام المفرط بعد الهجوم عليّ”. وأكد تيلي على كونه “اعتاد” على التهديدات ولا يخاف منها. وأضاف “لكنني الآن لم أعد أستطيع السفر إلى بعض الدول التي قد يكون لديها اتفاقية تسليم مع روسيا”. وأوضح أن ذلك لا يُقارن بما يتحمله معارضون روس معتقلون.
مرارًا صمم تيلي في السنوات الماضية عربات لعرض “اثنين الزهور” (روزنمونتاغ) في دوسلدورف، تضمنت رسومات كاريكاتورية لرئيس الكرملين. ففي العام الماضي، عرض عربة تحمل شعار “ميثاق هتلر– ستالين 2.0″، تُظهر فلادمير بوتين وهو يصافح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهما يسحقان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
تضامن واسع دفاعا عن حرية التعبير
تضامنا مع جاك تيلي قررت مدينة كولونيا هذا العام الاستغناء عن عربة تسخر من فلادمير بوتين، ليس خوفا من تهديدات الأخير، وإنما ليُترك هذا العام حكرا على فنان دوسلدورف (رغم المنافسة والمناكفة التقليدية المرحة بين المدينتين). وبهذا الصدد قال مدير موكب كولونيا مارك ميشيلسكي في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية “أعلم أن جاك سيصنع عربة رائعة جدًا، وأنا متحمس لرؤيتها”. وأضاف أن أهالي كولونيا أعربوا عن تضامنهم مع تيلي في عدة مبادرات علنية”.
إلى ذلك، أوضح ميشيلسكي أن الخوف من إجراءات انتقامية لروسيالم يكن سببًا في اتخاذ القرار. وتابع: “في النهاية كان المهم بالنسبة لنا (..) أن تكون هناك عربة. جاك قال إنه سيصنع واحدة، وبالتالي كان بإمكاننا ببساطة اختيار موضوع آخر”. من جانبه، أيد رئيس كرنفال كولونيا كريستوف كوكل كورن القرار قائلا: “قائد الموكب يتمتع بالاستقلالية في اختيار الموضوعات، وإذا قرر ذلك فأنا أدعم قراره”.
وتحظى عربات تيلي الساخرة في دوسلدورف باهتمام دولي كبير. بينما ذكر موقع “أوستاروشنو نوفوستي” الروسي أن تلك التصاميم تعتبر إهانة لبوتين بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ارتفاع تكاليف الإجراءات الأمنية
وفي سياق متصل، بات يواجه المنظمون، وفق تصريحات عديدة، ارتفاع تكاليف الإجراءات الأمنية. وهو ما أكده اتحاد الكرنفالات الألمانية موضحا أن “ارتفاع تكاليف تأمين المواكب ضد الهجمات يُثقل كاهل العديد من نوادي الكرنفال”. ووفقًا لما قاله رئيس الاتحاد كلاوس-لودفيغ فِس لصحيفة “نويه إنسبروكر تسايتونغ”، فإن عدم توفير مزيد من الدعم الحكومي قد يدفع العديد من النوادي إلى العجز المالي والتنظيمي، لا سيما النوادي الصغيرة ذات الطابع الريفي. وأوضح فِس أن هذه النوادي شهدت تراجعًا في إيرادات الرعاة والتبرعات، بينما غالبًا ما لا تكفي رسوم العضوية لتمويل خطط الأمن، مشددا على “ارتفاع تكاليف هذه الإجراءات خلال السنوات الماضية”.
وحذر فِس أيضا من “تصاعد الضغوط السياسية والهجمات على فناني الكرنفال”، مناشدًا جميع المبدعين بأن “لا يتركوا الديكتاتوريين أو الإرهابيين يرهبونهم”. وشدد على ضرورة استخدام “حرية السخرية بحكمة وهدف”. وأضاف أن الكرنفال كان دائمًا “مرآة للقضايا الاجتماعية”، وأن الهدف الأساسي منه هو “حرية الرأي“. وقال “إذا دمرت المخاوف تقاليدنا، فإننا سوف نفقد أكثر من مجرد الكرنفال”.
عراقة السخرية السياسية في كرنفال ألمانيا
يعرض موكب “اثنين الزهور” في كولونيا هذا العام، من بين أمور أخرى، عربة تُظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقد غُطيت أردافه بالقبلات، من بينها قبلات تحمل أسماء المستشارفريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحلف الناتو. وفي عربة أخرى تظهر أفعى زرقاء تمثل حزب “البديل من أجل ألمانيا”. كما تتناول عربات أخرى موضوعات إعادة التسلح وأزمة غرينلاند والذكاء الاصطناعي. ويتم أيضًا السخرية من الخلافات بين مكونات الائتلاف الحاكم في برلين، التكتل المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، حيث يظهر المستشار ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل وهما يرتديان أزياء سادية- مازوخية ويتبادلان إلحاق الألم ببعضهما البعض.
ويُعدّ “اثنين الزهور” أبرز أيام كرنفال ألمانيا، ويبلغ ذروته قبل بداية الصوم الكبير، خاصة في مدن مثل كولونيا وماينز ودوسلدورف. وله تقاليد عريقة في السخرية السياسية حيث تجوب الشوارع مواكب ملوّنة بعربات ضخمة تُزين بتماثيل كاريكاتورية تسخر من أصحاب القرار سواء داخليا او دوليا. وذلك، في تقليد راسخ يعبّر عن حرية الرأي وروح الدعابة الشعبية. وتُعدّ السخرية السياسية جزءًا أساسيًا من الاحتفالات، إذ يستخدم الفنانون الرموز والمبالغة في انتقاد القرارات والأحداث الجارية بأسلوب مرح، مما يجعل الكرنفال مساحة للتنفيس الاجتماعي والتعبير النقدي.
مواكب السخرية في ماينز وكولونيا ودوسلدورف
ترامب، بوتين، أوكرانيا، والنزاعات داخل الائتلاف الحكومي ..الخ. كل هذه الموضاعات الحساسة والآنية تجد فضاء لها في مواكب “اثنين الزهور”. ويتمتع مصممو العربات بحرية كاملة في استلهام مواضيعهم. وبهذا الصدد أوضح بوريس هينكل، مدير دائرة الإبداع في نادي الكرنفال بمدينة ماينز “يجب أن تكون المواضيع من تلك التي نعتقد أنها ستحرك المجتمع لأسابيع أو شهور. يجب أن يكون لديك هذا الحدس”. ويعمل هينكل (41 عامًا) على تطوير أفكار مواكب “اثنين الزهور” في ماينز. وهو دخل النادي منذ كان طالبا شابا، ويعتمد في عمله على خبرة عقود طويلة. ومع ذلك، يكون تحت ضغط شديد كل عام إلى اللحظة الأخيرة، مثلما حدث العام الماضي عندما تزامن “اثنين الزهور” مع انتخابات البرلمان الألماني.
وفي كولونيا معقل الكرنفال، كانت الانتخابات السابقة موضوعا أساسيا أيضا. ويبدأ مصممو العربات عملهم منذ نهاية سبتمبر تقريبًا. لكن، كما يوضح قائد الموكب مارك ميشلسكي، فإنه يتم تنفيذ انجاز حوالي 20 عربة سخرية في اللحظة الأخيرة، وهو ما يتطلب القدرة على الاستجابة بسرعة وتلقائية تماشيا مع تطورات اللحظة الأخيرة. جاك تيلي، على سبيل المثال، غالبًا ما تظهر تصاميمه على الصفحات الأولى للصحف الألمانية والدولية بعد الكرنفال مباشرة بسبب سخريته الحادة. وفي دوسلدورف، تُصنع بعض العربات أياما قليلة قبل الموكب الكبير، لتمكين المصممين من التعامل مع المواضيع العاجلة.
تحرير: وفاق بنكيران
Source link



