
تُشكل صفقة حصول الجزائر على مقاتلات الجيل الخامس الروسية من طراز Su-57E حدثًا محوريًا في المشهد الأمني الإقليمي والدولي، إذ تضع الجزائر في طليعة الدول الأفريقية والعربية التي تمتلك هذه التكنولوجيا المتقدمة.
صفقة تاريخية
تؤكد التسريبات الأخيرة، التي يُزعم أنها صادرة عن تكتل الدفاع الروسي الحكومي روستيك (Rostec)، أن الجزائر أبرمت عقودًا لشراء مقاتلات Su-57E من الجيل الخامس، بالإضافة إلى قاذفات تكتيكية من طراز Su-34. وفقاً لموقع “إيروسبيس غلوبال نيوز“. هذه الصفقة، التي لم يتم تأكيدها رسميًا من قبل موسكو أو الجزائر، تكشف عن كيفية استمرار روسيا في إبرام صفقات التصدير في ظل العقوبات الدولية، وفق ما نشر موقع “إيروتايم” للشؤون الدفاعية.
تشير الوثائق المسربة إلى أن الجزائر، ستتسلم 12 طائرة Su-57E و14 طائرة Su-34، في صفقة تُقدر القيمة الإجمالية لها بنحو مليار دولار أمريكي، ويشمل ذلك تسليم الطائرات ودمج الأنظمة، وتدريب الطيارين وأطقم الصيانة، وتوفير البنية التحتية التقنية وقطع الغيار، بالإضافة إلى دعم لوجستي وتحديثات برمجية متعددة السنوات. وقد بدأت بالفعل تدريبات الطيارين الجزائريين في روسيا، بحسب موقع “أفريكان سيكيورتي اناليسيس“.
الجدير بالذكر أن الصفقة لا تقتصر على طائرات Su-57E فحسب، بل تشمل أيضًا 14 طائرة هجومية من طراز Su-34، ومخزونًا من أنظمة الحرب الإلكترونية (Khibiny-M)، بحسب ما نشرت وكالة الأنباء الإيطالية Agenzia Nova.
ووفقاً لهذه الصفقة، ستصبح الجزائر أول دولة في العالم – بخلاف روسيا – تمتلك وحدات من طائرات سو-57إي، والدولة الوحيدة في أفريقيا والعالم العربي التي تشغل طائرات شبحية من الجيل الخامس، وهو تحول يرتقي بالقوات الجوية الجزائرية إلى مصاف القوات الجوية الرائدة عالميًا في مجال القدرات القتالية الجوية.
قدرات الطائرة Su-57E
تُعد Sukhoi Su-57E، المعروفة باسم “Felon”، قمة التكنولوجيا الروسية في مجال الطائرات القتالية، وهي مصممة لتحييد الأهداف الجوية والسطحية. تجمع الطائرة بين خصائص التخفي (low observability)، والقدرة الفائقة على المناورة (supermanoeuvrability)، والقدرات متعددة المهام في منصة واحدة .
وبحسب موقع “ذا ديفينس بوست” وموقع ” “أفريكان سيكيورتي اناليسيس”، فإن أبرز قدرات المقاتلة تتمثل فيما يلي:
•السرعة القصوى: تصل إلى 2.4 ماخ (حوالي 1350 كيلومترًا في الساعة على الارتفاعات المنخفضة) .
•المدى القتالي: يتراوح بين 2150 و3500 كيلومتر، اعتمادًا على الحمولة .
•المحركات: محركان من طراز Saturn Izdeliye 30 مع توجيه دفع ثلاثي المحاور .
•الرادارات: خمسة رادارات AESA (Active Electronically Scanned Array) توفر تغطية بزاوية 270 درجة .
•التسليح: أربعة مخازن داخلية لصواريخ K-77M بعيدة المدى وأسلحة جو-أرض دقيقة .
•أنظمة متطورة: تم تحسين الطائرة مؤخرًا بإضافة نظام استهداف مبتكر مثبت على الخوذة، يسمح للطيارين بالإغلاق على الأهداف بمجرد النظر إليها، مما يقلل من أوقات رد الفعل ويزيد بشكل كبير من الفعالية التشغيلية للمقاتلة .
بالنسبة للجزائر، يمثل الحصول على هذا النظام قفزة نوعية في القدرة التشغيلية، مما يمكنها من تحقيق التفوق الجوي خارج مدى الرؤية، والقدرة على الضربات العميقة، والردع المستمر عبر شمال أفريقيا والساحل والمناطق المطلة على البحر الأبيض المتوسط .
انتقادات للطائرة الروسية
لكن على الجانب الآخر، وجه خبراء وتقنيون انتقادات للمقاتلة الروسية تمثلت في:
– ضعف قدرات التخفي (Stealth): أشار تقييم لخبراء عسكريين من الهند إلى أن المقطع العرضي الراداري (RCS) للطائرة أكبر بكثير من الطائرات الغربية المنافسة مثل F-35. كما رصد خبراء عيوباً في دقة التصنيع، مثل عدم استواء محاذاة الألواح الهيكلية وفجوات في فتحات المستشعرات، وهي تفاصيل دقيقة تؤثر سلباً على فعالية التخفي.
– تصميم المحرك المكشوف: انتقدت القوات الجوية الهندية القسم الخلفي والمحركات المكشوفة، مما يزيد من البصمة الرادارية والحرارية للطائرة ويجعل اكتشافها أسهل، خاصة من الجهة الخلفية.
– قصور المحركات الحالية: هناك شكوك حول قدرة محركات “AL-41F1” الحالية على تلبية متطلبات الجيل الخامس، حيث تركز هذه المحركات على القوة والدفع على حساب التخفي والإدارة الحرارية.
– مخاوف الاستدامة والعقوبات: أثيرت مخاوف بشأن قدرة روسيا على دعم الطائرة وتوفير قطع الغيار (مثل الإلكترونيات وأشباه الموصلات) على المدى الطويل في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها.
– البصمة الحرارية العالية: انتقدت الهند انبعاثات الأشعة تحت الحمراء العالية، وطالبت بجدول زمني واضح لتطوير محرك “AL-51” الجديد وتقنيات تقليل الحرارة قبل المضي قدماً في أي صفقات.
لماذا الجزائر؟
لم يكن قرار روسيا باختيار الجزائر كأول مستلم لطائرة Su-57E مجرد قرار تجاري؛ بل يعكس ثقة سياسية عميقة وتعاونًا دفاعيًا طويل الأمد . حافظت الجزائر منذ الستينيات على شراكة دفاعية استراتيجية مع موسكو، تميزت بالاتساق في المشتريات على المدى الطويل والتوافق العقائدي .
وبحسب موقع “إيروتايم” للشؤون الدفاعية، فإنه من خلال اختيار الجزائر، تسعى موسكو إلى ترسيخ نفوذها في منطقة المغرب العربي وتأمين عميل عرض لبرنامج Su-57E، بينما تعزز الجزائر عقيدتها في الاستقلالية الاستراتيجية، وتحافظ على عدم الانحياز بين روسيا والغرب.
كما تُرسل هذه الخطوة إشارة إلى واشنطن وباريس بأن الموقف الدفاعي للجزائر أصبح أكثر استقلالية، وقادرًا على الموازنة بين الأنظمة الغربية والمنصات الشرقية المتقدمة، وفق ما قال خبراء لموقع “أفريكان سيكيورتي اناليسيس”.
تحول في موازين القوى؟
يمثل دخول طائرة Su-57E الخدمة في الجزائر تحولًا تاريخيًا، حيث تصبح الجزائر أول دولة في العالم العربي وأفريقيا تشغل طائرات مقاتلة من الجيل الخامس. هذا التطور يرفع من مستوى القوات الجوية الجزائرية إلى مصاف القوى الجوية العالمية الرائدة، على حد وصف موقع “أفريكان سيكيورتي اناليسيس”.
ووفقاً لموقع “آرمي ريكونجنيشن” تترتب على هذه الخطوة آثار استراتيجية عميقة:
•التفوق الجوي الإقليمي: تمنح الجزائر تفوقًا نوعيًا غير مسبوق في منطقة المغرب العربي والساحل والبحر الأبيض المتوسط، مما يمكنها من فرض سيطرة جوية في الكشف والمدى والقدرة على البقاء .
•توازن القوى: تُحدث هذه الصفقة اختلالًا في التوازن العسكري في منطقة المغرب العربي. فأسطول المغرب من طائرات F-16، على الرغم من تحديثه، لا يمكنه أن يضاهي قدرات التخفي والمدى الكشفي لطائرة Su-57E. كما أن طائرات الرافال والميغ-29 المصرية لا ترقى إلى مستوى قدرات التخفي .
•الاستقلالية الاستراتيجية: تعزز هذه الصفقة عقيدة الجزائر في الاستقلالية الاستراتيجية، وتحافظ على عدم الانحياز بين روسيا والغرب .
•الردع: تُعد الطائرة أداة ردع قوية ضد التهديدات الإقليمية وعدم الاستقرار في منطقة الساحل، مما يدعم قدرة الجزائر على الإسقاط الجوي العميق في المنطقة .
لماذا يتزايد الانفاق العسكري الجزائري؟
تعكس الزيادة المطردة في الإنفاق العسكري الجزائري استراتيجية البلاد لتحديث قواتها المسلحة وتعزيز قدراتها التكنولوجية واللوجستية، بهدف ضمان الأمن القومي في سياق إقليمي يتسم بتزايد التوترات . خصصت الجزائر أكثر من 18% من إنفاقها العام لعام 2026 للدفاع، أي ما يقرب من 25 مليار دولار من إجمالي إنفاق عام قدره 135 مليار دولار، بحسب ما نشرت وكالة الأنباء الإيطالية Agenzia Nova.
تأتي هذه الزيادة في الإنفاق الدفاعي مدفوعة بعدة عوامل إقليمية:
•عدم الاستقرار في منطقة الساحل: المخاوف الأمنية تنبع بشكل خاص من المناطق الحدودية مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو وليبيا، بالإضافة إلى عدم الاستقرار المستمر في منطقة الساحل حيث تنشط الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية .
•التوترات مع المغرب: التوترات المستمرة مع المغرب حول قضية الصحراء الغربية، حيث يطالب الرباط بالسيادة الكاملة بينما تدعم الجزائر مطالب جبهة البوليساريو الانفصالية.
يُشير هذا التحديث العسكري إلى أن الجزائر لا تنظر إلى هذا التحديث كعمل عدواني، بل كإجراء وقائي لتحقيق الاستقرار، مع التركيز على الردع من خلال التفوق التكنولوجي، والدبلوماسية المدعومة بقوة موثوقة، والقدرة على حفظ السلام الإقليمي المدعومة بالاستطلاع الجوي الحديث، وفقاً لما نشر موقع “أفريكان سيكيورتي اناليسيس”.
رد الفعل الأمريكي ومخاوف من قانون “CAATSA“
أثارت صفقة استحواذ الجزائر على مقاتلات Su-57E الروسية قلق الولايات المتحدة الأمريكية، التي حذرت من أن هذا الاستحواذ قد يؤدي إلى فرض عقوبات على الجزائر بموجب قانون “مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات” (CAATSA) بحسب ما نشر موقع “ديفينس نيوز”.
صرح روبرت بالادينو، رئيس مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية، أمام لجنة في مجلس الشيوخ بأن صفقة الأسلحة هذه تُعد “إحدى القضايا التي تعتبرها الولايات المتحدة إشكالية” في علاقاتها مع الجزائر .
يُعد قانون CAATSA أداة تستخدمها الولايات المتحدة لفرض عقوبات على الدول التي تبرم صفقات أسلحة كبيرة مع روسيا، بهدف تقويض قدرة موسكو على تمويل أنشطتها العسكرية. ورغم أن الجزائر حليف تقليدي لروسيا في مجال التسليح، فإن واشنطن ترى في هذه الصفقة تحولًا في ميزان القوى الإقليمي، خاصة في منطقة شمال أفريقيا، وقد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح إقليمي أو تجدد الأعمال العدائية على الحدود، وفق ما نشر موقع “ناشيونال انتيرست” .
وقد ألقى أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي باللوم على التأخر في إنتاج المقاتلات الأمريكية في دفع الجزائر لقبول تسليم طائرات Su-57E . تُشير هذه التحذيرات إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى قرارات الشراء العسكري على أنها خيارات اصطفاف جيوسياسي، وأن فرض عقوبات بموجب CAATSA قد يؤدي إلى تجميد الأصول أو قيود أخرى على الجزائر، وفق ما ذكر موقعي “آفييشان ويك”، “ناشيونال انتيرست”.
تحرير: وفاق بنكيران
Source link



