أخبار العالم

سدود المغرب.. هل باتت أدوات الحماية مصدراً للخطر؟

على مدى ​عقود اعتمد المغرب على سياسة بناء السدود لضمان أمنه المائي ومواجهة التقلبات المناخية في ظل مناخ شبه جاف، مما مكّنه من التحكم في موارده المائية والحد من آثار الفيضانات لسنوات طويلة.

غير أن موجة التساقطات الاستثنائية التي شهدها المغرب مؤخراً أعادت طرح تساؤلات حول قدرة السدود على الصمود أمام الظواهر المناخية المتطرفة، بعدما تحول سد وادي المخازن قرب مدينة القصر الكبير في شمال غرب البلاد من عنصر حماية إلى مصدر قلق مع بلوغه نسب ملء غير مسبوقة، اضطرت معها السلطات إلى إخلاء المدينة خشية حدوث فيضانات مدمرة.

وأظهرت البيانات الرسمية أن هطول الأمطار هذا الشتاء كان أعلى 35 بالمئة من المتوسط المسجل منذ التسعينيات وثلاثة أمثال العام الماضي. وارتفع معدل ملء السدود في المغرب إلى ما يقرب من 70 بالمئة من 27 بالمئة  في العام السابق، إذ جرى تفريغ عدد من السدود الكبيرة جزئيا لاستيعاب التدفقات الجديدة.

ويتصدر المغرب الدول الأفريقية من حيث عدد السدود، إذ يضم 154 سداً كبيراً ‌بطاقة إجمالية تتجاوز 20 مليار متر ⁠مكعب، ⁠إلى جانب 148 سداً صغيراً ومتوسطاً. وتواصل السلطات تنفيذ خطط لبناء سدود جديدة لمواجهة التغيرات المناخية وتوفير مياه الشرب والري.

وسد وادي المخازن أحد أكبر سدود المملكة، وشُيد عام 1979 على نهر اللوكوس في الشمال الغربي. وتتجاوز طاقته الاستيعابية 600 مليون متر مكعب، ويلعب دورا حيويا في سقي سهول المنطقة وحمايتها من الفيضانات.

لكن المخزون المائي للسد تجاوز هذا الشهر 160 في المئة من سعته (أكثر من مليار متر مكعب) بفعل الأمطار الغزيرة، مما دفع السلطات إلى تفريغ السد تلقائيا، فتسببت المياه المتدفقة ​في غمر مدينة القصر الكبير والسهول المحيطة.

تُظهر هذه اللقطة، الملتقطة من فيديو تم الحصول عليه في 6 فبراير 2026، منطقة غمرتها الفيضانات في قصر الكبير بالمغرب، بعد هطول أمطار غزيرة رفعت منسوب المياه في المنطقة
أظهرت البيانات الرسمية أن هطول الأمطار هذا الشتاء كان أعلى 35 بالمئة من المتوسط المسجل منذ التسعينيات وثلاثة أمثال العام الماضيصورة من: The Royal Moroccan Gendarmerie/REUTERS

وشرعت السلطات المغربية في تصريف المياه عبر المفرغ التلقائي بمعدلات كبيرة وصلت إلى 552 متراً مكعباً في الثانية لحماية جسم السد، مما أدى لارتفاع منسوب نهر اللوكوس وتأثر المناطق المجاورة التي غمرتها المياه أيضا.

وفي إجراء استباقي، أخلت السلطات ​مدينة القصر الكبير وعددا من مناطق سهل الغرب جراء الفيضانات، إذ جرى إجلاء أكثر من 154 ألف شخص إلى مناطق آمنة، قبل أن تبدأ عودتهم التدريجية إلى منازلهم مع تحسن الأحوال ​الجوية. وأعلنت الحكومة أربع مناطق ‌تقع في الشمال الغربي والغرب مناطق منكوبة، وهي العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، وخصصت نحو 330 مليون دولار لدعمها اقتصاديا واجتماعيا وتعويض المتضررين.

وقال محمد أمين سامي الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي لرويترز إن “السدود كانت ناجعة تاريخيا لأنها صُممت أساسا وفق منطق تأمين الإمدادات المائية، أما اليوم فالمناخ يفرض مقاربة مزدوجة تقوم على توفير الأمن المائي والأمن الفيضي في نفس الوقت”. ويضيف “السدود لا يمكنها وحدها إدارة الفيضانات، فهي تقلص الذروة أحيانا لكنها لا تعوض غياب حماية مجاري الأودية، ومناطق الأودية والتوسع ‌الفيضي، ولا غياب بنية حديثة لتصريف المياه”.

مركبة طوارئ تشق طريقها عبر مياه الفيضانات بينما يتم إجلاء السكان ونقلهم إلى مدن أخرى، وذلك في إطار عمليات إجلاء وقائية وطارئة لنقل السكان القاطنين بالقرب من المناطق المعرضة للفيضانات - قصر الكبير - 01.02.2026
تم تصريف المياه عبر المفرغ التلقائي بمعدلات كبيرة وصلت إلى 552 متراً مكعباً في الثانية لحماية جسم السد، مما أدى لارتفاع منسوب نهر اللوكوسصورة من: Abdel Majid Bziouat/AFP

وأشار إلى أن غياب قواعد تشغيل ديناميكية مرتبطة بالتنبؤات الجوية والتواصل اللحظي مع السكان يفاقم المخاطر، إلى جانب مشكلة الترسبات التي تقلص السعة التخزينية الحقيقية في ‌الأمد الطويل.

من ​جهته اعتبر أحمد بخري الخبير في موارد المياه والبيئة والمناخ أن “بناء السدود وحده لم يعد كافيا، وأصبح من الضروري تنويع مصادر المياه. ويشمل ذلك التوسع في تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، والربط بين الأحواض المائية، مع التركيز على بناء سدود متوسطة وصغرى ذات مردودية عالية لتعزيز الأمن المائي. وهذا ما ينفذه المغرب حالياً ضمن سياسته المائية التي تجمع بين تدبير الفائض وتدبير الندرة”.

وأنهت الأمطار القياسية جفافاً دام سبع سنوات دفع البلاد إلى زيادة الاستثمارات في تحلية المياه. وكانت الحكومة المغربية قد أعلنت عن خطة لتحلية مياه البحر، لتوفير 60 في المئة ​من مياه الشرب بحلول عام 2030، من 25 في المئة حالياً، بهدف إنتاج 1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة. كما أطلق المغرب في وقت سابق مشروع “الطريق السيار للماء”

لربط حوضين مائيين كبيرين هما حوض سبو وحوض أبي رقراق، بهدف حل مشكلة ندرة المياه. ويخطط لبناء 92 سداً صغيراً في الفترة ما بين 2025 و2027 لدعم الفلاحة والحماية من الفيضانات.

التغيرات المناخية في قفص الاتهام

يؤكد بخري أن السدود المغربية صُممت هندسيا لتحمل تساقطات مطرية استثنائية، لكنها تحتاج اليوم إلى تحديثات ⁠تواكب تغير ​المناخ الذي يزيد من وتيرة الظواهر المتطرفة. وأشار إلى أن معظم السدود المغربية حديثة نسبيا، وأن البلاد لم تسجل انهيار أو تصدع أي سد، بينما جاءت الإجراءات ​الأخيرة لحماية الأرواح والممتلكات.

تُظهر هذه اللقطة، الملتقطة من فيديو تم الحصول عليه في 6 فبراير 2026، منطقة غمرتها الفيضانات في قصر الكبير بالمغرب، بعد هطول أمطار غزيرة - 06.02.2026
السدود المغربية صُممت هندسيا لتحمل تساقطات مطرية استثنائية، لكنها تحتاج اليوم إلى تحديثات ⁠تواكب تغير ​المناخ الذي يزيد من وتيرة الظواهر المتطرفةصورة من: The Royal Moroccan Gendarmerie/REUTERS

من جهته قال رشيد رجيل رئيس قسم تخطيط المياه بالمديرية العامة لهندسة المياه التابعة لوزارة التجهيز والماء لرويترز إن “ظاهرة الفيضانات بالمغرب لا تعد ظاهرة مفاجئة في حد ذاتها، فالمغرب شهد عبر التاريخ فيضانات عديدة… الفيضانات ظواهر طبيعية متوقعة ضمن دينامية مناخية متقلبة، خاصة مع تزايد حدة الظواهر القصوى ​بفعل التغير المناخي، غير أن شدة بعض الأحداث الأخيرة فاقت المعدلات الاعتيادية ‌المسجلة تاريخيا في بعض الأحواض”.

وأضاف أن الحكومة تتخذ مجموعة من التدابير لمنع كوارث حقيقية في السدود منها “تعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر، وتربطها بتوقعات رصدية دقيقة، كما تتم تقوية المنشآت المائية من سدود وقنوات تصريف وحواجز وقائية، وصيانة المجاري المائية وإزالة العوائق”.

وأكد أن السدود تخضع “لمنظومة تقنية وهندسية متكاملة تهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات وضمان استدامة هذه المنشآت الحيوية”. ويري خالد فخاوي، المهندس بالشركة الجهوية متعددة الخدمات ​بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، أن موجة الأمطار الأخيرة على شمال وغرب المغرب كانت “استثنائية”، ⁠وأن مستويات السدود ارتفعت بسرعة تفوق قدراتها الاعتيادية على التخزين والتصريف.

وأضاف أن منسوب المياه ارتفع بشكل لافت في وادي سبو ووادي اللوكوس، مما صعب تحقيق التوازن بين التخزين الآمن والتفريغ الوقائي. وأوضح فخاوي أن السدود “ليست حواجز مطلقة أمام الفيضانات، بل أدوات لتنظيم المياه”، مشيرا ⁠إلى أن طبيعة التربة في غرب البلاد وتأثير سنوات الجفاف وتصلب القشرة الأرضية، ​أدى إلى انخفاض نفاذية التربة إلى مستويات ضعيفة لا تسمح بامتصاص كميات كبيرة من الأمطار.

وأشار إلى وجود “توسع عمراني قريب من مجاري الأودية، كما هنالك محدودية على مستوى شبكة التصريف.. يجب أن تتوفر قنوات كبيرة بحجم يتعدى المترين، شبكة تصريف المياه تحتاج إلى تصريف دوري لمواكبة حجم التحولات المناخية”.

وشدّد على أهمية تبني حلول استباقية أكثر فاعلية، بينها تطوير منظومة الإنذار المبكر وتحويل الإشعارات إلى خدمات رقمية، بحيث يتم إبلاغ المواطنين عبر رسائل نصية قبل 24 ساعة من وقوع الخطر. لكن رجيل، المسؤول بوزارة التجهيز والماء، يرى أن التوفيق بين تخزين المياه لمواجهة الجفاف وتوفير حيز للحماية من الفيضانات يمثل “واحدا من أعقد المهام التقنية” في إدارة السدود.

وأوضح أن هذا يقوم على “منحنيات ملء مرنة حسب الفصول، وتخصيص احتياطي فارغ خلال الفترات المطيرة لامتصاص موجات الفيضان، إضافة إلى الاستعانة بالتوقعات الجوية قصيرة ومتوسطة الأمد لاتخاذ قرارات استباقية بشأن التفريغ الوقائي”.

تحرير: يوسف بوفجلين




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى