
رفضت المحكمة الاتحادية العليا، أعلى محكمة مدنية في ألمانيا، اليوم الثلاثاء (24 فبراير/ شباط 2026) دعوتين قضائيتين، رفعهما المغرب ضد صحيفتين ألمانيتين، بسبب مقالات نشرتها الصحيفتان قبل سنوات.
وادّعى المغرب أن المقالات تنتهك شرفها الوطني، إلا أن القاضي شتيفان سَيترس، رئيس المحكمة، أكد أن “الدولة لا تملك شرفًا شخصيًا، ولا تتمتع بحق الخصوصية”، الذي يسمح للأفراد برفع دعاوى حماية السمعة.
لا حماية قضائية لدول أجنبية ضد وسائل إعلام ألمانية
وأوضحت المحكمة، ومقرها كارلسروهه، أن الدولة ليست “صاحبة حقوق شخصية عامة” يمكن أن تُنتهك بنشر مواد إعلامية. وأرست المحكمة بذلك مبدأ أنه لا يحق لدولة أجنبية الحصول على الحماية من وسائل الإعلام الألمانية المحلية. ورفض مجلس المحكمة السادس طعون المغرب، مؤيدًا بذلك الأحكام الصادرة عن المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ.
خلفية القضية: تقارير 2021 حول برنامج “بيغاسوس”
وتتعلق القضيتان بمقالات حول برنامج التجسس “بيغاسوس”، الذي طورته شركة “إن إس أو غروب” الإسرائيلية. وكشف تحقيق دولي أجرته 17 وسيلة إعلام دولية عام 2021 أن الهواتف المحمولة لمئات من الشخصيات السياسية رفيعة المستوى، والمحامين، والنشطاء الحقوقيين والصحفيين في دول مختلفة خضعت للمراقبة باستخدام هذا البرنامج. ومن بين وسائل الإعلام الدولية هذه، نشرت صحيفتا “دي تسايت” و”زود دويتشه تسايتونغ” الألمانيتان في يوليو/ تموز 2021 تقاريرا عن اشتباه بأن جهاز المخابرات المغربي استخدم على ما يبدو برنامج “بيغاسوس” لمراقبة أعضاء في الحكومة الفرنسية وشخصيات مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ونفت المملكة المغربية هذه الاتهامات بشدة، واعتبرت تلك الشكوك انتهاكًا لشرفها الوطني وحقها في الاحترام الاجتماعي وكرامة الدولة، فرفعت دعوى قضائية للحصول على أمر قضائي بمنع هذه التقارير المشككة. وأكد المغرب أنه ليس عميلا لشركة “إن إس أو غروب” (NSO) ولم يستخدم برنامج التجسس “بيغاسوس”.
القضاء الألماني: لا توجد إساءة يمكن مقاضاتها
مع ذلك، قضت كل من محكمة هامبورغ الإقليمية والمحكمة الإقليمية الألمانية العليا، وكذلك المحكمة الاتحادية العليا، بأن المغرب، كدولة، لا يمكن إهانته أو المساس بشرفه. وقالت المحكمة الاتحادية العليا: “لا تمتلك الدولة شرفًا شخصيًا، كما أنها ليست صاحبة حقوق شخصية عامة”. وبالتالي، لا يوجد أي سبيل للحصول على أمر قضائي.
وتقول وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب) إنه مع ذلك، لم يكن السؤال المطروح أمام المحكمة الاتحادية العليا (Bundesgerichtshof) في كارلسروهه، هو مدى دقة النصوص الإعلامية المنشورة من الناحية الواقعية، بل تناولت المحكمة السؤال الجوهري حول ما إذا كان بإمكان الدول الأجنبية مقاضاة وسائل الإعلام الألمانية والمطالبة بأوامر قضائية ضد مثل هذه المنشورات المشككة. وقد أجابت المحكمة بالنفي. وأيّد هذا الحكم قرارات سابقة صادرة عن المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
“قرار المحكمة يدعم حرية الصحافة”
و بعد صدور الحكم عبّر مارتن شيبان، محامي صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ”، عن ارتياحه، مصرحًا في كارلسروه بأنه يرى في هذا الحكم تعزيزًا لحرية الصحافة وعمل الصحفيين الألمان في الخارج.
وقالت الصحيفة: “توقعنا قرار المحكمة الاتحادية العليا هذا ونرحب به، لأنه يدعم حرية الصحافة في ألمانيا”.
ووصف هولغر شتارك، نائب رئيس التحرير ورئيس وحدة التحقيقات في صحيفة “دي تسايت”، القرار بأنه “إشارة مهمة لحرية الصحافة والصحافة الاستقصائية، ولا سيما للبحوث ذات الأهمية الدولية”.
موقف المغرب: قرار يشجع التضليل
وفي المقابل، أعربت المملكة المغربية، عبر محامٍ، عن أسفها للقرار، إذ يحرم الدول الأجنبية من حقها في الدفاع عن نفسها ضد الأكاذيب التي تنشرها وسائل الإعلام. وأضاف محامي المغرب، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ): “لا يقتصر ضرر هذا القرار على تشويه سمعة الدول المتضررة فحسب، بل يضفي شرعية على نشر المعلومات المضللة، ويقوض بذلك الغاية من حرية التعبير والصحافة“.
القانون الدولي: لا حماية لسمعة الدول خارج حدودها
وتقول وكالة الأنباء الإنجيلية (EPD) إنه لا توجد قاعدة عامة في القانون الدولي تخوّل دولةً ما مطالبة أفراد من دولة أخرى بالامتناع عن الإدلاء بتصريح يسيء إلى سمعتها.
وبينما يتمتع المسؤولون الحكوميون والسلطات والهيئات الأخرى التي تؤدي وظائف إدارية عامة بالحماية بموجب القانون الجنائي من الإهانات، ويحق لهم اتخاذ إجراءات قانونية، فإن هذا ينطبق فقط داخل أراضيهم الوطنية، وليس على الدول الأجنبية. وقد قضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه لا يوجد نص جزائي محدد يُجرّم التشهير بدولة أجنبية أو انتهاك سمعتها.
تحرير: ع.ج.م
Source link



