
قبل أيام قليلة، شهدت الجزائر حدثا حظي باهتمام إعلامي وحضره رئيس البلاد عبد المجيد تبون، متمثلا في تدشين خط للسكك الحديدية بطول نحو ألف كيلومتر، يعبر الصحراء لنقل خام الحديد من جنوب البلاد إلى شمالها.
ووصفت وسائل الإعلام الرسمية المشروع بأنه “أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ الجزائر المستقلة”.
وبث التلفزيون الرسمي لقطات تُظهر إشارة انطلاق قطار مُحمّل بخام الحديد المُستخرج من منجم غار جبيلات.
منجم غار جبيلات، ما هو؟
بحسب ما نشرته صحيفة “بزنس إنسايدر إفريقيا”، فقد جرى اكتشاف غار جبيلات عام 1952، لكنه ظل شبه معطَل لعقود بسبب موقعه النائي وارتفاع تكاليف المعالجة.
وذكرت الصحيفةأن المنجم، الذي يقع في صحراء الجزائر قرب الحدود المغربية، تُقدر احتياطاته بحوالي 3.5 مليار طن من خام الحديد، منها نحو 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال وفقا للتقنيات الحالية.
وبهذه الاحتياطات، يُعد منجم غار جبيلات أكبر مكمن لخام الحديد في الجزائر وشمال أفريقيا.
وأضافت الصحيفة أن المشروع مطروح منذ عقود، وأن خطوة التدشين تُعد بمثابة الضوء الأخضر لبدء أولى شحنات الخام من المنجم.
ويربط الخط الجديد المنجم بكل من مدينتي تندوف وبشار، ليصل إلى الساحل المتوسطي ومدينة وهران عبر شبكة قائمة، حيث تدير مجموعة “توسيالي” التركية مجمعا للحديد والصلب.
التكلفة والبعد اللوجستي
أفادت وكالة “بلومبرغ” بأنه تم تشييد خط السكة الحديدية بالتعاون مع الصين في خطوة وصفتها بـ”الأساسية في تطوير مكامن خام الحديد”.
وأضافت الوكالةأن الشركات المشاركة في المشروع هي الشركة الوطنية للحديد والصلب “فيرال” وشركة “سينوستيل” الصينية.
وتولت شركة السكك الحديدية الصينية للبناء “سي آر سي سي” وشركاؤها المحليون إنجاز 575 كيلومترا من الخط، مما يجعل منه أكبر مشروع بنية تحتية تنفذه شركات صينية في الجزائر.
وسيضم خط السكك الحديدية أكثر من 40 محطة وممرا جانبيا ومنعطفا مخصصا لدعم تشغيل قطارات نقل خام الحديد، بحسب ما ذكرته صحيفة “تشاينا ديلي” الصينية.
وتقدر شركة “سي آر سي سي” أن إنجاز خط السكة الحديدية سيتم خلال 30 شهرا من بدء الأشغال الكبرى التي انطلقت في أبريل/ نيسان.
العائدات المتوقعة
ذكرت صحيفة “بزنس إنسايدر إفريقيا” أن مكمن غار جبيلات يُوصف بأنه واحد من أكبر احتياطات خام الحديد في العالم مع تقديرات تشير إلى وجود نحو 3.5 مليار طن من الخام.
ومن المتوقع أن يبلغ إنتاج المنجم 4 ملايين طن سنويا خلال المرحلة الأولى، على أن يرتفع الإنتاج ليصل إلى 12 مليون طن سنويا بحلول عام 2030، وفق تقديرات مجمع “فيرال” الحكومي المشرف على الموقع.
وعلى المدى الطويل، قد يصل الإنتاج إلى 50 مليون طن سنويا، مما سيُسهم بشكل كبير في تقليص اعتماد الجزائر على واردات خام الحديد، ويوفر ما يقدر بـ 1.2 مليار دولار سنويا.
كما يُتوقع شحن ما يصل إلى 3 ملايين طن من الخام سنويا من المناجم بحلول نهاية عام 2026، حسبما أفادت مجلة “ريلواي غازيت” الدولية.
جدوى المشروع؟
يرى ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا في مركز أبحاث “مجموعة الأزمات الدولية”، أن المشروع يُعتبر “استراتيجيا” بالنسبة للجزائر لسببين رئيسيين.
وفي مقابلة مع DW عربية، قال إن السبب الأول يتمثل في “محاولة تنويع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد على المحروقات، حيث يُعد تطوير الموارد الطبيعية الأخرى جزءا أساسيا من هذه الاستراتيجية”.
وأضاف أن السبب الثاني هو أن “هذا الخام كان من المفترض استغلاله بشكل مشترك بين الجزائر و المغرب في سبعينيات القرن الماضي، حين وقع البلدان اتفاقا لترسيم الحدود وتعهدا بالتعاون في سلسلة من المشاريع، بما في ذلك هذا المشروع”.
وتابع قائلا: “إلا أن هذا التعاون لم يتحقق مطلقا، ومع انعدام العلاقات حاليا مع المغرب، تُرسل الجزائر إشارة واضحة بأنها تسعى لتطوير هذا المورد بمفردها دون إشراك الجار المغربي”.
وأضاف أنه “من الناحية الاقتصادية، سيكون من الأجدى نقل الحديد عبر الأراضي المغربية، لكن الجزائر قررت تطويره بمفردها واتباع مسار أطول. وسيكشف المستقبل ما إذا كان هذا خيارا مُجديا اقتصاديا”.
“توقيف” جلول سلامة؟
تزامن تدشين المشروع مع أنباء تناقلتها منصات غالبيتها خارج الجزائر أو ناقدة للسلطات، أشارت إلى “توقيف” الخبير الدكتور جلول سلامة، أحد أبرز الوجوه الأكاديمية والاقتصادية في الجزائر.
وزعمت بعض الحسابات، مثل (Algeria Leaks) أو “تسريبات الجزائر”، أن واقعة “الاعتقال” جاءت بعد “تشكيك” الخبير الاقتصادي في “جدوى مشروع غار جبيلات”.
وتحول اسم سلامة خلال الساعات الأخيرة إلى محور نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي. فقد أدعى الإعلامي والناشط المقيم في لندن، السعيد بن سديرة، أن “اعتقال” جلول سلامة جاء على وقع مداخلة الأخير التليفزيونية حول جدوى المشروع.
إذ نقلت مواقع وقنوات جزائرية خاصة عن الخبير الجزائري الدماور جلول سلامة توقعاته حول ارتفاع كلفة النقل المرتفعة بسبب بعد المنجم عن الموانئ وضعف البنية التحتية اللوجستية وضخامة الاستثمارات المطلوبة ويترواح حجمها من 3,5 مليار دولار إلى 5 مليار دولار، إضافة إلى التكلفة العالية لإعادة معالجة مواد الحديد المستخرجة لتكون بجودة منافسة في السوق العالمية. ورأى الدكتور سلامة أن تحقيق الربحية من المشروع لا يمكن أن يكون إلا على المدى الطويل جداً، ربما في أفق 2050.
ورغم موجة التفاعل الكبير، لا تزال الملابسات الحقيقية وراء الأمر غامضة؛ إذ لم تُصدر الجهات الرسمية في الجزائر أي بيان يوضح أسباب التوقيف أو سياقه، كما لم تتناول وسائل إعلام أجنبية أو منظمات حقوقية دولية أي تفاصيل مؤكدة حول القضية.
ويرى محللون بأن الجدل حول المشروع له خلفيات تاريخية وجيوسياسية، فالمنجم الذي اكتشف في بداية خمسينيات القرن الماضي إبان حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر، ظل غير مستغل إلى أن عاد للأضواء على خلفية التوترات الحدودية بين المغرب والجزائر، وخصوصا بعد “حرب الرمال” سنة 1963، وبعد مفاوضات طويلة بين البلدين توصلا إلى اتفاق في سنة 1972 ينص على تطوير المنجم واستغلاله بشكل مشترك. إذ نصّت الاتفاقية على استغلال المنجم الجزائري ونقل خام الحديد عبر المغرب إلى المحيط الأطلسي حيث لا تتجاوز المسافة 300 كيلومترا، إلا أن هذه الاتفاقية لم تُنفّذ، وساهم النزاع الطويل حول الصحراء الغربية منذ سنة 1975 في جعل المشروع لا يرى النور طيلة العقود الماضية.



