
لا يقتصر نفوذ دول الخليج العربية على إنتاج وتصدير النفط فحسب، بل لديها دور محوري في الاقتصاد العالمي كونها تمتلك استثمارات طائلة في كل دول العالم تقريبا، إذ تدير صناديق الثروة السيادية، التابعة لدول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت وغيرها من دول الخليج، استثمارات تُقدّر بنحو 5 تريليونات دولار (4.35 تريليون يورو)
وقال ماجد الأنصاري، المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية للصحفيين خلال ندوة عبر الإنترنت استضافها مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية صباح الثلاثاء (17 مارس/أذار 2026): “لا يقتصر التأثير العالمي لدول الخليج على النفط، فهذه المنطقة مركز للاقتصاد الدولي، وإذا قررت التركيز على دفاعها وسحب استثماراتها والتوقف عن مشاركتها الاقتصادية مع المجتمع الدولي، فسيكون لذلك أثر ملموس على كل بيت في العالم”.
أنفقت دول الخليج مؤخراً أموالا ضخمة في عدة مجالات، وكان أحدثها على سبيل المثال قيام صناديق الثروة السيادية الخليجية بدعم عرض قدمته شركة باراماونت الأمريكية للترفيه للاستحواذ على منافستها وارنر براذرز.
وفي العام الماضي، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من زيارته إلى الشرق الأوسط حاملاَ معه تعهدات استثمارية ضخمة من السعودية والإمارات و قطر .
وخلال العقد الماضي، أنفقت دول الخليج نحو 100 مليار دولار (87 مليار يورو) على مشاريع تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي والحصول على المعادن الأساسية من أفريقيا، بالإضافة إلى مشاريع التحوّل في قطاع الطاقة.
كما أن “دبلوماسية الإنقاذ” التي تتبناها دول الخليج في المنطقة تكلّفها مليارات الدولارات، وقد عرّف خبراء هذه الدبلوماسية في ورقة بحثية نُشرت عام 2023 بأنها “تقديم حزم ضخمة من المساعدات المالية أو العينية لإنقاذ الدول التي تواجه أزمات مالية أو اقتصادية”.
شملت هذه الاستراتيجية مساعدات لدعم استقرار الاقتصاد المصري، وتمويل جهود إعادة الإعمار ومساعدات أخرى في سوريا ولبنان وغزة.
حرب إيران تقلب الموازين
تهدد حرب إيران بتغيير سياسات دول الخليج الاستثمارية، إذ دفعت الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/ شباط الماضي معظم دول الخليج إلى تقليص إنتاجها وتصديرها للنفط والغاز، اللذين يشكلان الجزء الأكبر من دخلها القومي.
وتتهم إيراندول الخليج بالتورط في الحرب، وبناء عليه استهدفت إيران بنيتها التحتية النفطية ومطاراتها، والقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها، كما أغلقت إيران مضيق هرمز الحيوي المواد الهيدروكربونية.
ولهذا رجّحت شركة الاستشارات المالية “أكسفورد إيكونوميكس” في تقرير لها منتصف مارس/ آذار أن إجمالي الدخل القومي لدول الخليج لن ينمو إلا بنسبة 2.6 بالمئة هذا العام، أي أقل بنسبة 1.8 بالمئة مما كان متوقعاً.
وأشار باحثون إلى أن تأثير الحرب على دول الخليج سيكون متفاوتاً، إذ تمتلك سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية بدائل لتصدير نفطهما، وقد تستفيدان من ارتفاع أسعار النفط، لكن دول أخرى مثل البحرين والكويت وقطر ليس لديها بدائل، ما يجعل خسارتها أشد.
ولتخفيف الاعتماد على النفط، تسعى دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها، لكن حرب إيران عرقلت هذه الخطط بشكل كبير، فقد أثرت الحرب على السياحة والعقارات والقطاع الرقمي في المنطقة، وتسببت في انهيار البورصات المحلية.
وحرب إيران قد هزّت صورة دول الخليج كدول آمنة ومستقرة، وكتب فريدريك شنايدر، الباحث البارز في مجلس الشرق الأوسط، الأسبوع الماضي: “لقد حطمت مقاطع الفيديو لانفجارات دبي والدوحة والمنامة الصورة الأمنية التي حرصت دول الخليج على ترسيخها”.
كما أن إغلاق المجال الجوي قد يؤدي إلى خسائر تصل إلى 56 مليار دولار من إنفاق السياح، وفقاً لخبراء قطاع السياحة.
دول الخليج قد تعيد ترتيب أولويات استثماراتها
يقول تيم كالين، الباحث الزائر في معهد دول الخليج العربية (AGSI) في واشنطن وخبير في اقتصاديات دول الخليج: “لا يزال من المبكر جداً القول بشكل مؤكد كيف ستتأثر اقتصادات الخليج بهذا الصراع. من المؤكد أن التأثير سيكون سلبياً على المدى القصير، لكن التأثير على المدى الطويل سيعتمد على مدة الصراع والوضع في المنطقة عند انتهائه.”
وأضاف في رسالة بالبريد الإلكتروني لـ DW أن معظم صناديق الثروة السيادية لدول الخليج تتمتع بوضع مالي جيد، “لذا لا أعتقد في هذه المرحلة أن الحرب ستؤثر بشكل كبير على استراتيجيات الاستثمار الخارجي. لكن هذا قد يتغير مع استمرار الصراع، ومع ازدياد تأثيره على الاقتصاد المحلي”.
ويعتقد المراقبون أن دول الخليج المستهدفة من قبل إيران قد تغيّر أولويات الإنفاق بعد انتهاء الحرب، قد تشمل “زيادة الاستثمار في البنية التحتية لتعزيز قدرتها على الصمود، مثل الاحتياطيات الغذائية الاستراتيجية أو خطوط أنابيب التصدير البديلة، وزيادة الإنفاق الحكومي على إعادة الإعمار والدفاع والأمن” وفقَ شركة الاستشارات المالية اللبنانية ناصر سعيدي وشركاؤه.
وهو ما أكده ماجد الأنصاري المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، إذ قال: “بسبب الصعوبات الاقتصادية التي سنواجهها نتيجة الحرب، وبسبب تراجع الثقة في استقرار منطقة الخليج، سنكون منشغلين للغاية بإعادة الإعمار، وتعزيز قدراتنا الدفاعية، والتعامل مع الأزمة الإقليمية الراهنة”.
ما مصير الوعود المقدمة لترامب؟
اختتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته للشرق الأوسط العام الماضي بتلقيه وعوداً استثمارية ضخمة من دول الخليج، إذ وافقت الإمارات العربية المتحدة على استثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة، وأعلنت قطر أنها ستنفق 1.2 تريليون دولار، ووافقت السعودية على صفقات بقيمة 600 مليار دولار، من بينها صفقة أسلحة بقيمة 142 مليار دولار وُصفت بأنها الأكبر في التاريخ.
لكن الضغوط المالية الناجمة عن حرب إيران قد تجبر تلك الدول على إعادة النظر في الوعود التي قدمتها لترامب، بحسب مصدر مجهول نقلاً عن صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
في حين لا يعتقد كالين من معهد دول الخليج العربية (AGSI) أن مثل هذه المراجعة محتملة، ويشير إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي، وهو أمر من المرجح أن ترغب فيه دولة مثل السعودية، سيكون “متسقاً مع التزامها بزيادة الإنفاق والاستثمار في الولايات المتحدة“.
ويقول إن التأثيرات على المدى القريب واضحة إلى حد كبير، ومن المحتمل أيضاً أن يكون النمو على المدى المتوسط أقل من المتوقع؛ لأن المنطقة ستُعتبر أكثر خطورة، أما التأثيرات على المدى الطويل فتبقى غير مؤكدة.
ويختتم كالين بقوله: “ستتأثر الاستثمارات عبر كافة القطاعات. والسؤال هو: ما حجم هذا التأثير، وإلى متى؟ وهذا سيعتمد على كيفية انتهاء الحرب. إذا ظل خطر الصراعات المستقبلية والاضطرابات قائماً، فقد تتأثر الاستثمارات بشكل دائم.”
أعدته للعربية: ميراي الجراح
تحرير: عبده جميل المخلافي
Source link



