أخبار العالم

حياة النازحين اليومية هربًا من نار الحرب

تحاول فاطمة أ. تنظيم حياتها اليومية من جديد وسط خيام نصبت بارتجال دون تخطيط، وفراشات، وعائلات متجاورة في مكان ضيّق. لجأت فاطمة إلى مبنى العازارية بوسط العاصمة اللبنانية بيروت، والذي أصبح مركز إيواء يستقبل مئات النازحين وتعيش فيه الآن نحو 250 عائلة، والكثير منها في خيام أقيمت على عجل. ويوجد في هذا المركز ماء ومطبخ مشترك وبعض مساعدات الإغاثة، ولكنه مكتظ بقاطنيه ويفتقر للهدوء والخصوصية.

تقضي فاطمة أ. أغلب الوقت في خيمتها. ويزعجها الذهاب إلى دورة المياه. وحول ذلك تقول: “يجب الانتظار في طابور، والجميع ينظرون. وهذا يجعلني أشعر بالحرج بسرعة”. ولذلك تبقى فاطمة داخل خيمتها بقدر الإمكان، بين الحقائب والبطانيات وبعض الأغراض القليلة التي تمكنت من أخذها معها عند فرارها.

لبنان، بيروت 2026 - الفرار من الحرب - فاطمة وعائلتها في مركز إيواء للنازحين
لدى عائلة فاطمة أ. خيمتين في مركز إيواء يقع بقلب بيروتصورة من: privat

حياة يومية (غير عادية) في وسط بيروت

وتعيش فاطمة في مركز الإيواء مع زوجها وبنتها التي يبلغ عمرها سبع سنين ووالدتها. ويتقاسم الأربعة هذه المساحة الضيقة. وزوجها يساعد الآخرين في المركز، حيث يقوم بأعمال الإصلاح والبناء والتنظيم. وتقول فاطمة: “بفضل مساعدته، حصلنا على خيمتين”.

وهم يحاولون خلال النهار خلق شيء يشبه الحياة اليومية الطبيعية. ولكن في المساء الوضع صعب. وتقول: “الانفجارات مدوية جدًا. وبعض الناس هنا ينامون بكامل ملابسهم العادية ويشعرون بالخوف”. والنوم بالملابس هو استعداد منهم للفرار في حال تعرض مخيمهم للقصف.

لقد وصلت الحرب منذ فترة طويلة إلى بيروت – ليس فقط إلى مناطق النزاع المعروفة، بل باتت تتوسع إلى  مناطق أخرى. فقد وسّعت إسرائيل نطاق هجماتها وأصبحت تستهدف، وأحيانًا من دون سابق إنذار – مناطق تقع خارج معاقل حزب الله التقليدية، وتستهدف حتى أحياء في قلب بيروت.

وحزب الله اللبناني مدعوم من إيران، وتُصنّفه الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والعديد من الدول العربية السنية كتنظيم إرهابي. وجناحه العسكري مدرج في الاتحاد الأوروبي على قائمة الجماعات الإرهابية.

احتلال مناطق لبنانية من قبل إسرائيل

وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن مخطط لتوسيع المناطق المحتلة في جنوب لبنان لتمتد حتى نهر الليطاني، على بعد نحو 30 كيلومترًا عن الحدود. ومن المقرر هدم المنازل والمباني الموجودة في القرى الحدودية.

وردًا على ذلك قال وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى إنَّ تصريحات كاتس “تعكس نية واضحة لفرض احتلالٍ جديد للأراضٍ لبنانية”. وأعرب في بيانٍ مشترك عدد من وزراء خارجية الدول الأوروبية والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي عن “تجديد تأكيدهم بقوة على ضرورة احترام وحدة الأراضي اللبنانية”.

ولكن هذه التحذيرات لا تضمن في الوقت الحالي في لبنان أمن الأهالي المتضررين وسلامتهم. والمهم بالنسبة لهم قبل كل شيء أنَّ لبنان لم يعد يوجد فيه أي مكان آمن يمكنهم اللجوء إليه.

وهذا ما تراه فاطمة أ. وتقول: “لقد هربنا ولكننا نعلم أنَّه لم يعد يوجد في الحقيقة أي مكان آمن، ولكننا لا نستطيع أن نفعل أكثر من ذلك”.

الحرب قلبت حياة العائلة رأسًا على عقب

وقبل أسابيع قليلة فقط كانت عائلتها تعيش في حي الأوزاعي بجنوب بيروت. وهذا الحي مكتظ بالسكان القادمين من مناقط مختلفة ويعتبر جزءًا من الضاحية الجنوبية في بيروت.

والضاحية الجنوبية منطقة تبلغ مساحتها تقريبًا مساحة وسط بيروت. واتسعت خلال العقود الماضية من خلال الهجرة والنزوح. وانتقل الكثيرون إلى هنا بسبب عدم قدرتهم على تحمّل تكاليف المعيشة في مناطق أخرى من بيروت. وأجبر آخرون على الانتقال إلى الضاحية بسبب الحروب والأزمات السياسية أو حتى بسبب عدم وجود دعم حكومي.

وتعتبر الضاحية الجنوبية بالنسبة لبعض المراقبين الخارجيين والدول الغربية معقلًا سياسيًا وعسكريًا لحزب الله. أما بالنسبة للناس الذين يعيشون فيها، فهي قبل كل شيء: وطنهم. وكذلك وطن فاطمة أ..

تقول فاطمة: “كنا نعيش في الضاحية حياة أسرية طبيعية. بنتي كانت تذهب إلى المدرسة، وزوجي كان يعمل نجارًا. وأنا كنت أدير شؤون المنزل – كنا نعيش حياة جيدة”. وتضيف أنَّهم كانوا يشعرون بالأمن والاستقرار.

دخل حزب الله اللبناني الحرب في بداية آذار/مارس بمهاجمته إسرائيل بمسيّرات وصواريخ، وذلك بعد أن أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على مهاجمة إيران وقتل مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي. ومنذ ذلك الحين يتصاعد العنف في لبنان أيضًا.

لبنان، بيروت 2026 - الفرار من الحرب - فاطمة وعائلتها في مركز إيواء للنازحين
فاطمة أ. (على اليمين) نزحت مع عائلتها من جنوب بيروت في بداية آذار/مارسصورة من: privat

اللجوء إلى السيارة

في الليلة الأولى من الحرب والغارات، لجأت عائلة فاطمة إلى سيارتها وقضت الليل فيها. وبعد ذلك عادوا إلى شقتهم وبقوا فيها ليلتين. تقول فاطمة: “لكن زادت التهديدات التي تستهدف منطقتهم. كنا ببساطة خائفين”.

وقد اتخذت العائلة قرار الرحيل لحماية ابنتهم من أي مخاطر، على حد قولها. وفي هذا الصدد تقول فاطمة: “لقد انتظرت خمس سنين لأحمل”. وتضيف أنَّها تخاف من فقدانها. “بنتي لا تزال تعاني حتى اليوم من آثار حرب 2024. وغالبًا ما تكون خائفة ولا تجرؤ على الذهاب إلى أي مكان بمفردها. وعند سماعها أي صوت تُغطي أذنيها بيديها”.

لقد استمر العنف حتى بعد وقف إطلاق النار الرسمي بين إسرائيل وحزب الله في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. واستمرت الهجمات الإسرائيلية والانفجارات، واستمر معها انعدام الأمن. وبحسب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) والحكومة اللبنانية فقد ارتكبت القوات الإسرائيلية منذ ذلك الحين أكثر من 15400 انتهاك لوقف إطلاق النار. وقتل أكثر من 370 شخصًا وتضررت البنية التحتية، وأصبحت عودة الكثيرين إلى ديارهم أمرًا مستحيلًا.

وفي شباط/فبراير 2026، قال منسّق برامج منظمة أطباء بلا حدود في لبنان، جيريمي ريستور، إنَّ “الهجمات الإسرائيلية المستمرة لا تدمر المنازل والبنية التحتية فقط، بل تقوّض أيضًا ركائز الحياة اليومية وفرص إعادة الإعمار”.

وهذا يعني بالنسبة لبنت فاطمة: استمرار دوي الانفجارات والأصوات، ومعهما استمرار خوفها. لذلك كان من الواضح بالنسبة لعائلة فاطمة أنَّ عليهم الفرار: لم يأخذوا معهم سوى الأشياء الضرورية. ولم يكن أحد منهم يعلم إلى أين يذهبون. وببساطة انطلقوا بسيارتهم.

وكانت الطرق مزدحمة. ووصلوا أخيرًا إلى وسط المدينة. وفي البداية، ناموا مرة أخرى في السيارة. ثم وجدوا مركز إيواء في مبنى العازارية، الذي كان في السابق مركزًا تجاريًا في قلب بيروت. وأصبح اليوم مركز إيواء نازحين.

وتقول فاطمة: “أشتاق إلى بيتي. حياتي، أشيائي، روتيني: قبل شهر كان كل شيء مختلفًا”. والآن تغير كل شيء: النوم والطعام والعادات. “حياتنا انقلبت رأسًا على عقب”.

خوف من القنابل والمسيّرات

وبنتها كثيرًا ما تبكي، ولا تزال ترتعب عند سماع أي صوت. وعندما تصرخ، تحضنها فاطمة، وتقول: “عندئذ أنسى خوفي وأُهدئ بنتي”.

وفي الوقت نفسه يتفاقم الوضع أكثر في لبنان المنكوب بالأزمة. وقد حذّر توم فليتشر، وهو منسق الإغاثة في حالات الطوارئ في الأمم المتحدة، من أنَّ الوضع في لبنان قد تفاقم بشكل مأساوي. وقال: “في الأسابيع الأربعة الماضية، قُتل أكثر من 1240 شخصًا وجُرح 3500 شخص”، من بينهم نساء وأطفال ومسعفون.

وأضاف فليتشر أنَّ “في لبنان أكثر من 1.1 مليون شخص قد تهجَّروا في الأسابيع الأربعة الماضية، من بينهم أكثر من 370 ألف طفل. النزوح بهذه الوتيرة يزيد من المخاطر، لا سيما بالنسبة للنساء والفتيات اللواتي يعشن في أماكن مكتظ. والنزوح ليس الحل، بل هو الملاذ الأخير المؤلم بالنسبة لهن، وهو طريقة مؤقتة للحفاظ على كرامتهن”.

ومع ذلك توجد لحظات تجعل فاطمة تتطلع إلى المستقبل، وذلك عندما تشاهد الأطفال وهم يلعبون. عندما تلعب بنتها وتمرح، عندما تضحك وتكون للحظة مطمئنة يتكون لدى فاطمة بصيص من الأمل: “عندما أراها تلعب، أفكر أنَّ كل شيء سيصبح جيدًا مرة أخرى”.

ولكن سرعان ما يعود شعورها باليأس والإحباط، وذلك لأنَّ المسيّرات الإسرائيلية فوق بيروت والانفجارات القريبة والبعيدة، تعيدها إلى أرض الواقع. وفاطمة تنظر إلى ما تبقى: أسرتها وخيمتان وحياة مؤقتة.

وتقول: “نحن لسنا العائلة الأولى ولا الأخيرة التي تضطر إلى النزوح. يجب علينا أن نتحمل ذلك”. ثم تقول الجملة المهمة بالنسبة لها: “أريد أن يعرف الناس هناك في الخارج أنَّنا كنا بخير وأنَّنا عشنا بكرامة”.

أعده للعربية: رائد الباش


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى