
يبدو أن الناخبين الألمان غير راضين عن أداء حكومتهم، وذلك بناء على آخر استطلاع للرأي “دويتشلاند تريند” (ARD-Deutschlandtrend)، وهو استطلاع شهري تجريه مؤسسة مختصة بتكليف من هيئة الإذاعة والتلفزيون الألمانية العامة (ARD) ومؤسسات إعلامية أخرى، ومن ضمن مواضيعه نسب التأييد للحكومة والأحزاب، وتقييم المواطنين للسياسة العامة في ألمانيا.
وبعد إجراء انتخابات برلمانات الولايات ومجالسها المحلية في أول ولايتين في ألمانيا لهذا العام، عادت الأمور إلى طبيعتها في الحكومة الاتحادية، إذ حاول ائتلاف الحزبين المحافظين، الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) اتخاذ خطوات متأنية خوفاً من إثارة استياء الناخبين في ولايتي بادن-فورتمبيرغ وراينلاند-بفالس.
وعند توليه منصبه في مايو/ أيار 2025 أعلنَ المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن “خريف الإصلاحات”، لكن ذلك لم يتحقق، كما أن التقاعس والركود السياسي أثرا على البلاد بشكل كبير.
وبناء على استطلاع الرأي أبدى 84 بالمئة من المواطنين عدم رضاهم عن الحكومة الحالية، وهي أعلى نسبة منذ تولي الائتلاف السلطة.
شخصيات سياسية خسرت ثقة الناخبين
تراجع شعبية الحكومة الحالية لا يقتصر على الأحزاب فحسب، بل تأثرت بذلك شخصيات سياسية بعينها، إذ حصل المستشار الألماني ميرتس من الحزب الديمقراطي المسيحي على تأييد بنسبة 21 بالمئة، وبذلك يكون قد فقد 8 نقاط مئوية.
كما حصل نائب المستشار ووزير المالية لارس كلينغبايل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي على تأييد بنسبة 18 بالمئة، وفقدَ بذلك 15 نقطة مئوية، ويشهد كلاهما الآن أدنى مستويات التأييد منذ توليهما المنصب.
ينعكس هذا الاستياء أيضاً على نسب تأييد الأحزاب، فلو أُجريت انتخابات فيدرالية الآن، لكان ائتلاف الحزبين المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي (التحالف المسيحي)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، بعيداً كل البعد عن الحصول على الأغلبية.
وبيّن الاستطلاع أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) تراجع إلى أدنى مستوى له منذ أغسطس/آب 2019، وفقد الحزب نقطتين مئويتين مقارنةً ببداية شهر مارس/آذار ليصل إلى 12 بالمئة، كما خسر التحالف المسيحي نقطتين مئويتين، ليحصل على 26 بالمئة فقط من الأصوات.
بالمقابل حقق حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) مكاسب بنقطتين مئويتين مقارنةً ببداية مارس/آذار ليصل إلى 25 بالمئة، ليصبح الفارق بينه وبين التحالف المسيحي نقطة واحدة فقط.
وحقق حزب الخضر وحزب اليسار مكاسب بنقطة مئوية واحدة، ليصلا إلى 14 بالمئة و10 بالمئة على التوالي، في حين حصل كل من تحالف سارة فاغنكنيشت والحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) على 3 بالمئة، وبالتالي لن يتمكنا من دخول البوندستاغ (البرلمان الاتحادي).
حرب إيران تبدد الآمال بانتعاش اقتصادي
عوامل عديدة أثرت في نتائج استطلاع الرأي وعدم الرضا عن الحكومة، منها ثلاث سنوات من الانكماش الاقتصادي وسنة من الركود، بالإضافة إلى انكماش القطاع الصناعي، ونقل المصانع والوظائف إلى الخارج، لتأتي حرب إيران وتبدد الأمل بأي انتعاش اقتصادي في البلاد.
ويفتقر 70 بالمئة من المواطنين الألمان إلى الثقة في قدرة الحكومة على تنفيذ الإجراءات اللازمة لتحسين الوضع الاقتصادي، خاصة إذا استمرت أسعار الطاقة بالارتفاع.
وتتضمن خطة الحكومة مزيجاً من الإعفاءات الضريبية، وتخفيضات على أسعار الطاقة، وحوافز استثمار، وتخفيف البيروقراطية، بهدف تحقيق استقرار اقتصاد البلاد على المدى القصير، وتعزيز قدرته التنافسية على المدى الطويل.
تسريع الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية
تدرس الحكومة الحالية فكرة السماح للشركات بتوظيف موظفين بعقود محددة المدة لفترات أطول من السابق، وبهذا الصدد انقسمت آراء مَن شملهم استطلاع “دويتشلاند تريند” (ARD-Deutschlandtrend) إلى قسمين، إذ أيد الفكرة 48 بالمئة من المشاركين وعارضها 44 بالمئة منهم.
وبالمقابل حظيَ تسريع الاعتراف بالمؤهلات المهنية الأجنبية، الذي يُمكّن المهاجرين من إيجاد فرص عمل بشكل أسرع، بتأييد واسع وصل إلى 74 بالمئة. وافق على الفكرة 48 بالمئة من ناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي، في حين حصلت على تأييد واسع بين ناخبي الأحزاب الأخرى، وتراوحت نسبة التأييد بين 83 و95 بالمئة.
زيادة الضرائب على الأثرياء
بهدف سد العجز في الميزانية وتشجيع النساء على العمل تفكر الحكومة في إلغاء المزايا الضريبية الحالية للأزواج، والمعروفة باسم “الضريبة المشتركة للأزواج”، ولكن عارض هذه الفكرة 54 بالمئة من المواطنين، وأيده 32 بالمئة فقط، وبالعموم يرفض 91 بالمئة من المواطنين زيادة عامة في ضريبة القيمة المضافة؛ لأن أعباء الضرائب مرتفعة أساساً.
وأفاد 66 بالمئة ممن شملهم الاستطلاع أن عبء الضرائب في ألمانيا مرتفع للغاية، في حين يرى 28 بالمئة منهم أنه معقول، ويرحب 76 بالمئة من المشاركين بتخفيف الضرائب عن ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، إلى جانب زيادة الضريبة على ذوي الدخل المرتفع.
نظام الضمان الاجتماعي تحت الضغط
يعاني نظام الضمان الاجتماعي في ألمانيا من ضغوطات عديدة بسبب التغيرات الديموغرافية؛ إذ تشهد ألمانيا شيخوخة سكانية متسارعة، ويتناقص عدد العاملين الذين يُعيلون أعداداً متزايدة من المتقاعدين، ومن المتوقع أن يرتفع عدد كبار السن الذين يحتاجون إلى الرعاية بشكل كبير في السنوات القادمة.
ففي أوائل الستينيات كان ستة عمّال يدفعون الراتب التقاعدي لمتقاعد واحد، أما اليوم فحوالي عاملين فقط يدفعون الراتب التقاعدي لمتقاعد واحد، بحسب بوابة المعلومات الديموغرافية الألمانية.
ولهذا تخطط الحكومة الحالية لتثبيت مستوى التقاعد عند 48 بالمئة من متوسط الدخل حتى عام 2031 مع تقديم دعم ضريبي، في الوقت الذي يتم فيه دعم حوالي 30 بالمئة من إجمالي مصاريف التقاعد اليوم، بحسب إذاعة دويتشلاندفونك الألمانية.
وبالعودة إلى استطلاع الرأي، لا يثق 74 بالمئة من المواطنين في قدرة الحكومة على تنفيذ الإجراءات اللازمة لضمان استدامة أنظمة الضمان الاجتماعي مستقبلاً.
ومن بين المقترحات الرامية إلى تخفيف العبء على التأمين الصحي الإلزامي، حظيت زيادة الضرائب على الكحول والتبغ والمشروبات الغازية بتأييد 72 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع، في حين رُفضت زيادة المساهمات في تكاليف الأدوية والعلاجات رفضاً قاطعاً، ولم تحظَ على تأييد سوى 20 بالمئة.
أعدته للعربية: ميراي الجراح



